رأي/ ليس كل من يفتح كتاباً يُعدّ قارئاً، فثمة من يقرأ بالحبر، وثمة من يقرأ بالهوى. والنتيجة، غالباً، نصٌّ سليم وقارئٌ مُشوَّه. تبدو أزمتنا اليوم ليست في قلّة القراءة، بل في كثرة من يمارسونها دون أن يلامسوا جوهرها. ليست المشكلة في نقص الكتب، بل في نقص القدرة على التعامل معها بوعي ونضج. تحوّلت القراءة عند كثيرين إلى طقس يشبه العبادة حين تُؤدَّى كعادة: حركة تُسكت الضمير ولا توقظ الفكر.
نقرأ بعين واحدة، هي عين العاطفة. نغضب قبل أن نفهم، ونصدر أحكامنا قبل أن نكمل الجملة، ونُعدم النصوص كما تُعدم الشبهات، لا لأن فيها خطأً، بل لأننا لا نحتمل فكرة التفكير قبل الانفعال. وهكذا يصبح الخبر في وادٍ، وغضب الجمهور في وادٍ آخر.
نحمل الكتاب كما تُحمل المسبحة في يد من يتباهى بالتقوى دون خشوع. نقرأ لا بحثاً عن المعنى، بل بحثاً عمّا يثبت قناعاتنا. فإذا صادفنا ما يخالف ما نؤمن به، تعاملنا معه كما يتعامل طفل غاضب مع لعبته المكسورة: يصرخ، يرميها، ويعلن أن العالم متآمر وأن الناشر منحاز.
وفي المقاهي وعلى الشاشات وفي فضاءات التواصل، نكرر أننا “أمّة الفكر والشعر والعلم”، لكننا نردد العبارة كما تُردد الشعارات البالية، بلا روح. فكيف نكون أمّة الفكر ونحن نحمل السلاح عند أول اختلاف؟ وكيف نرفع راية الثقافة بينما أول ما يسقط عند الخلاف هو المنطق ذاته؟ نشبه جمهوراً يصفّق لعرض لم يبدأ بعد: نحتفي بالفكرة قبل أن نمارسها.
استبدلنا الحجة بالصوت العالي، والنقاش بالصراخ، والمنطق بالتهكّم. صرنا نمارس الحوار كما تُمارس كرة القدم في الأزقّة: كثير من الركل، كثير من الانفعال، والقليل جداً من الأهداف. نريد الانتصار لا الفهم، إسكات الآخر لا محاورته.
وهنا تتجلّى المأساة بأوضح صورها: هناك من لا يُكمل حتى قراءة العنوان، ناهيك عن المقال. ينقضّ على الكاتب شتماً واتهاماً وتجريحاً، وكأن الكلمات طُعنت في شرف عائلته لا في أفكاره. يكفي أن يمسّ الرأي معتقده أو فهمه حتى تصبح كل الاتهامات مباحة: تخوين، إساءة، تجريح، بل وجرّ العائلة والنساء إلى معركة لا علاقة لهنّ بها.
وحين يغيب التفكير المنطقي، ويتحوّل النقاش إلى معركة أهواء، يصبح الجهل سلاحاً يرفعه من لا يملك الحجة، ويجعل الفئة الواعية تختار الصمت، لا ضعفاً، بل احتراماً لذاتها وهروباً من وادٍ امتلأ بالمهاترات التي لا تفضح إلا عورة الجهل.
إن المجتمعات التي لا تتحمل النقاشات البنّاءة، وتستبدل الحوار برفع الصوت والشتائم والصراخ، هي مجتمعات يسهل التأثير عليها وتطويعها. فحين يتحول النقاش إلى انفعال بدل تبادل أفكار، تُقصى العقلانية ويعلو صوت الغريزة، فيغدو المجتمع أكثر قابلية للتوجيه واستجابة لأي فكرة تُطرح أمامه، مهما كانت هشّة أو مضللة. المجتمع الذي تهيمن عليه الأهواء لا يقوده عقل ولا وعي، بل ردود فعل بدائية تُسهل السيطرة عليه.
والمفارقة المؤلمة أن بعضنا أتقن أداء دور المثقف أكثر مما أتقن فعل التفكير. يكتب كما لو كان يوقّع بياناً فلسفياً، بينما هو في الحقيقة يعيد تدوير غروره لا فكره. يقتبس ما لا يفهم، ويردد كلمات من قبيل “الوعي” و”الفكر” و”التحليل”، وهو بالكاد يميّز بين الرأي والمعلومة.
أصبحنا جميعاً شعراء ومفكرين ومحللين. تضيع الأصوات الصادقة وسط ضجيج الألقاب المجانية، فالمفكر الحقيقي صوته هادئ، والصوت الهادئ لا جمهور له. مشكلتنا ليست الجهل، بل وهم المعرفة، ليست في قلة الثقافة، بل في الغرور الذي يغلفها. لم نعد نخجل من الخطأ، بل ندافع عنه بعناد. لم نعد نبحث عن الحقيقة، بل عن انتصار رخيص، حتى لو كان زائفاً.
ربما آن الأوان أن نعيد النظر في طريقة تعاملنا مع المعرفة والعالم. فالأمم لا تنهض بالضجيج، ولا بالشعارات، بل عندما تفتح كتبها بصدق، وتُقرأ بحق، لا العنوان فقط.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل العقل في إجازة طويلة، يراقب من بعيد ويبتسم بسخرية، لأننا ما زلنا، حتى هذه اللحظة، نقرأ كل شيء بالمقلوب.
لينا نوري سياوش
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

