رأي/ هي ليست الجنة، لكنها ليست الجحيم أيضاً.
منذ اللحظة الأولى لوصولنا إلى بلدان الاغتراب، تراود كثيراً منّا تلك التساؤلات الحائرة: هل كنا نحلم حين ظننا أن أوروبا ستكون جنة على الأرض؟ هل خدعتنا الصور الجميلة عن دولة القانون والرفاهية والحقوق؟ هل أوروبا مجرد كذبة؟
والإجابة ببساطة: لا. أوروبا ليست كذبة. بل هي واقع حقيقي، متين البنية، دقيق التنظيم، قائم على قيم راسخة، وعمل متواصل امتد لعقود وربما قرون من البناء المؤسساتي، والمساءلة، واحترام الفرد وحقوقه وواجباته.
لكن ما يحدث في الحقيقة، هو أننا، نحن القادمين من بلدان لم تنضج فيها البُنى المؤسسية، ولم تُربَّ فيها المجتمعات على الشفافية والمشاركة، نُفاجأ بكمٍّ هائل من المتغيرات التي لا نستطيع في كثير من الأحيان فهمها أو التفاعل معها بالشكل المطلوب. فنشعر بالخذلان، لا لأن أوروبا خذلتنا، بل لأن المسافة بين ما كنا نعرفه وبين ما نعيشه اليوم أكبر بكثير من قدرتنا على الاستيعاب السريع.
صدمة الاختلاف
تتمثل أكبر التحديات في الاختلاف الثقافي العميق، لا سيما في القيم التي تُشكّل أساس المجتمعات الأوروبية: المسؤولية الفردية، الاستقلالية، حقوق الطفل، المساواة بين الجنسين، واحترام خصوصية الآخر.
نحن لم نُنشأ على هذه المفاهيم، بل جئنا من بيئات تغلب عليها السلطة الأبوية، والتراتبية، والعلاقات الشخصية، حيث تُحلّ القضايا في الغرف المغلقة، وتُختصر الدولة في شخص، أو حزب، أو قبيلة.
لذا حين نواجه واقعاً مختلفاً تماماً، تُصاب كثير من العائلات المغتربة بحالة من التيه، ويظهر ذلك بشكل جلي في علاقات الأزواج، وفي أنماط تربية الأبناء. فالأب الذي اعتاد أن يكون المرجع المطلق في أسرته، يجد نفسه في مواجهة نظام يعتبر الطفل كيانًا مستقلًا له حقوق واضحة وقوانين تحميه.
والأم التي نشأت في ظل ثقافة الحياء والانكفاء، تجد نفسها مطالبة بأن تكون فاعلة، مدركة، مشاركة.
ويأتي الأبناء ليعيشوا في مدرستين: منزل يعكس ماضٍ متجذّر، ومدرسة تمثل حاضراً حداثياً يتقدم بسرعة الضوء.
غياب المعرفة… بداية المتاعب
المشكلة لا تقف عند حدود الصدمة الثقافية، بل تتفاقم مع غياب المعرفة. فالكثير من الوافدين الجدد لا يملكون الحد الأدنى من الإلمام بقوانين البلد الجديد أو منظومته القيمية.
تُحمّل الحكومات الأوروبية الفرد مسؤولية معرفة القوانين، وتنطلق من مبدأ أن الجهل لا يعفي من العقوبة. وهنا تبدأ المتاعب.
يواجه المغترب مواقف جديدة كلياً عليه: تدخل سلطات حماية الطفل، قضايا العنف الأسري، اشتباكات مع المؤسسات الرسمية، فيتجه لطلب النصح من محيطه، ممن لا يملكون في كثير من الأحيان أكثر من التجربة الشخصية والتي قد تكون بحد ذاتها مضللة أو ناقصة.
تدور النصائح بين المبالغة في الخوف من الدولة، أو الاستخفاف بخطورة بعض التصرفات، وكلتاهما طريقان للمزيد من الأخطاء.
الحل لا يكمن في الانسحاب أو التمترس خلف نظرة عدائية تجاه المجتمع الجديد، بل في الوعي والمعرفة.
يجب أن ندرك أن أوروبا دولة قانون، نعم لكنها أيضاً دولة مسؤولية. الحقوق هنا تقابلها واجبات، والحريات تستدعي فهماً دقيقاً للحدود، وما تفعله بدافع الحرية، عليك أن تكون مستعداً لتحمل تبعاته.
لا أحد يراقبك، لكنك مسؤول أمام القانون.
لا أحد يجبرك، لكن عليك أن تعرف ما هو متوقع منك.
أوروبا بكل مؤسساتها وتعقيداتها وبساطتها في آنٍ واحد، ليست وهماً تسوقه الدعاية، بل واقعٌ ناضجٌ يُجبرك على أن تكون مواطناً، لا تابعاً.
هي لا تهمس لك في الأذن: “انتبه، هذا خطأ”. بل تتركك تخطئ، ثم تُحمّلك المسؤولية كاملة.
إن أخطأت، لن يأتي “الخال” ليشفع، ولا “المعرفة” لتُرَكِّب الأمور، ولا “الواسطة” لتضبط الملف.
أوروبا ليست كذبة، العيش فيها ليس سهلاً، لكنها لا تُجيد التهويل ولا تُحب الأعذار ولا تعترف بالمحسوبيات.
لينا سياوش
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس بالضرورة عن SWED 24

