رأي/ لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد فضيحة أخلاقية لرجل أعمال ثري، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة الصحافة والقضاء على مساءلة أصحاب النفوذ. فالملف لم يتوقف عند شخص واحد، بل امتد إلى شبكة علاقات ضمت رؤساء سابقين وأمراء وشخصيات سياسية واقتصادية نافذة، من بينهم بيل كلينتون والأمير أندرو، إلى جانب أسماء أخرى وردت في سجلات ووثائق رسمية.
الوثائق نُشرت. الصور كُشفت. سجلات الطيران عُرضت للرأي العام.
لم تتوقف الصحافة عند ثقل المنصب ولا عند حساسية الأسماء. لم يكن النشر موجهاً ضد جهة بعينها، بل كان ممارسة طبيعية لدور رقابي لا يعترف بحصانة اجتماعية أو سياسية. ولو لم تكن هناك مساحة حقيقية للعمل الإعلامي، لما خرجت تلك الملفات إلى العلن أصلاً.
في المسار القضائي، أُدينت شريكته غيلين ماكسويل، واستمرت الدعاوى المدنية، وتوالت عمليات كشف الوثائق. قد لا تكون الصورة مكتملة بعد، وقد تبقى تفاصيل لم تُنشر، لكن الإطار القانوني ظل قائماً: من حيث المبدأ، لا أحد فوق المساءلة، حتى وإن تعثرت العدالة أحياناً أو تأخرت.
في المقابل، في دول أخرى، قد يُقتل صحفي لمجرد اقترابه من ملف يمس شخصية نافذة، أو يُقصى قاضٍ لأنه اقترب من خطوط حمراء. هناك، لا يُنظر إلى القضاء كسلطة مستقلة، بل كمؤسسة خاضعة لإرادة أصحاب القرار، وتتحول الصحافة من سلطة رقابية إلى أداة صمت أو تبرير.
ليست مسألة “غرب” و”شرق”
قراءة فضائح إبستين باعتبارها دليلاً على فساد جهة بعينها أو تفوق أخرى ليست سوى تبسيط مخل.
ما كشفت عنه الوثائق هو أن السلطة، حين تتحالف مع المال والنفوذ، تستطيع استغلال الثغرات الأخلاقية في أي مجتمع. الانحراف لا يرتبط بدين ولا بجغرافيا، بل بغياب الضوابط أو ضعفها.
الفارق الحقيقي لا يكمن في الشعارات، بل في وجود مؤسسات مستقلة قادرة على كشف الخطأ ومعالجته. قد لا يقل ما يحدث في أماكن أخرى مأساوية عمّا جرى في جزيرة إبستين، لكن الخطوط الحمراء هناك تمنع الاقتراب، وتُغلق الملفات قبل أن تُفتح.
لا يكمن الخطر في وجود الفساد وحده، بل في تطبيعه. فحين تُرتكب أفعال يصعب حتى تصور قباحتها، ثم تُغطّى أو تُبرَّر، ينخفض سقف توقعات الناس من العدالة، ثم من الأخلاق، ثم من إنسانيتهم ذاتها. هنا تُكسر المجتمعات، لا بالقوة العسكرية فقط، بل بإضعاف حسها الأخلاقي حتى يصبح الاستثناء قاعدة، والصدمة خبراً عابراً.
قضية إبستين لا تمثل شعباً ولا ثقافة بعينها. إنها تكشف ما يمكن أن يفعله المال والنفوذ حين يلتقيان بثغرات في المنظومة الرقابية وما أكدته القضية ليس تفوق حضارة على أخرى، بل أهمية البنية المؤسسية التي تسمح بالمحاسبة. قوة الدول لا تُقاس بشعاراتها، ولا بخطاباتها الأخلاقية والدينية، بل بقدرة مؤسساتها على محاسبة الأقوياء قبل الضعفاء.
وحين يُستدعى صاحب اللقب الكبير إلى منصة العدالة كما يُستدعى أي مواطن عادي، هناك فقط يمكن الحديث عن دولة قانون، لا عن دعاية. الفضيحة لا تُسقط مجتمعاً. الذي يُسقطه هو الصمت.

بقلم: لينا نوري سياوش
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

