مقال رأي/ منذ انهيار الدولة السورية بصيغتها المركزية لم يعد السؤال المطروح هو كيف تعود سوريا كما كانت بل من سيملأ الفراغ وبأي منطق ولصالح من. التجربة أثبتت أن غياب الدولة لا ينتج حيادا بل يفتح المجال أمام أكثر القوى تنظيما وأشدها أيديولوجية وفي مقدمتها الإسلام السياسي بمختلف نسخه. من هذه الزاوية يصبح دعم الأقليات ليس خيارا أخلاقيا فقط بل ضرورة أمنية إقليمية.
انهيار المركز وصعود منطق الحزام الآمن
ما جرى في سوريا بعد سقوط الأسد كشف حقيقة طال تجاهلها. الدول التي حكمت بالقوة وحدها دون عقد اجتماعي، تنهار دفعة واحدة ومع هذا الانهيار لم تصعد قوى مدنية ديمقراطية بل تقدمت تنظيمات عابرة للحدود ذات خطاب ديني تعبوي ترى في الجغرافيا ساحة مفتوحة للتمدد.
في هذا السياق تشكلت وقائع جديدة.. الساحل السوري بات منطقة انكفاء علوي دفاعي. شمال شرق الفرات تحول إلى كيان كردي مدعوم دوليا.الجنوب السوري وبشكل متزايد برز كمساحة درزية مستقلة وظيفيا عن دمشق مرتبطة بمعادلات ردع إقليمي واضحة. هذه الوقائع ليست تهديدا للاستقرار بل محاولة لمنع الانهيار الشامل.
الدروز من أقلية مهمشة إلى شريك أمني في الرؤية الإسرائيلية
لا ينظر إلى الدروز كجماعة تبحث عن حماية بل كـ مكون عقلاني غير أيديولوجي أثبت تاريخيا قدرته على ضبط مناطقه ومنع تحولها إلى منصات تهديد الجنوب السوري. حين يكون تحت إدارة درزية مستقرة يشكل حاجزا طبيعيا بين إسرائيل والفوضى السورية ومنطقة خالية من التنظيمات الجهادية ونموذجا نقيضا للإسلام السياسي الذي يعتمد على التفجير المذهبي والتوسع القسري. من هنا يصبح دعم كيان درزي مستقر في الجنوب جزءا من معادلة الأمن الإسرائيلي طويل الأمد لا مجرد إجراء ظرفي.
البوابة الشمالية للخليج ما بعد الجغرافيا السورية
الأهمية الاستراتيجية للدروز لا تتوقف عند حدود الجولان أو الجنوب السوري فمع تشكل كيان درزي مستقر يمتد تأثيره ليشكل بوابة شمالية غير معادية للخليج العربي، في مواجهة مشروع الإسلام السياسي الذي يسعى للتمدد من العراق وسوريا باتجاه الأردن والخليج.
اذا وجود دولة درزية مستقبلية أو كيان درزي معترف به لن يكون دولة عقائدية لن يكون تابعا لمحاور دينية وسيشكل عنصر توازن بين إسرائيل الأردن والخليج. هذا النموذج يخدم منطق الاستقرار الإقليمي أكثر مما تخدمه شعارات وحدة الدول التي انهارت فعليا .
إسرائيل والخرائط الجديدة الأمن قبل الأوهام
إسرائيل لا تسعى إلى تفكيك المنطقة لكنها تتعامل مع واقع تفكك قائم بالفعل ومن هذا المنطلق فإن دعم كيانات مستقرة عقلانية وغير معادية هو الخيار الأكثر واقعية في شرق أوسط تتراجع فيه الدولة المركزية. فالرهان على عودة أنظمة قوية موحدة أثبت فشله أما الرهان على الأقليات المنظمة وفي مقدمتها الدروز والكرد فهو رهان على الاستقرار.
الحد من الإسلام السياسي ومنع تحول الحدود إلى ساحات فوضى دائمة
اذا الخلاصة ان الأمن الإقليمي يبنى من الأطراف لا من العواصم المنهارة.. ما بعد سقوط الأسد ليس مرحلة انتقالية بل ولادة شرق أوسط جديد تعاد فيه صياغة التحالفات من الأسفل إلى الأعلى لا العكس.
الدروز اليوم يقفون عند تقاطع الجغرافيا والأمن والعقل السياسي، دعمهم ليس استثمارا في أقلية بل استثمار في نموذج نموذج دولة أو كيان غير أيديولوجي يحمي حدوده ويمنع تصدير الفوضى.
وفي منطقة أنهكتها المشاريع العقائدية قد تكون الأقليات المستقرة هي الفرصة الأخيرة قبل الانهيار الكامل.

بقلم: أيسر عادل الولي
مدير المنظمة الدرزية
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

