مقال رأي/ لا يمكن فهم الاستعمار الاستيطاني بوصفه ظاهرة تاريخية منتهية، بل كمنطق سياسي واقتصادي متجدد يعيد إنتاج نفسه بأدوات مختلفة كلما سمحت موازين القوة بذلك. فالاستعمار، في جوهره، لا يكتفي بما حققه، لأن التوسع جزء بنيوي من منطقه، لا نتيجة طارئة عليه.
لقد قامت الولايات المتحدة بوصفها دولة حديثة على اغتصاب أراضي الشعوب الأصلية في القارة الأمريكية، عبر الإبادة والتهميش والاحتواء القسري، حتى بلغ المشروع الاستيطاني هناك مرحلة “الإنجاز التاريخي”. غير أن اكتمال هذا المشروع داخليًا لم يضع حدًا للذهنية التوسعية التي أنتجته.
وتُظهر تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن رغبته في ضم جزيرة غرينلاند الدنماركية عودة صريحة إلى منطق يعتبر الأرض أصلًا قابلًا للاكتساب، متى توفرت القوة والفرصة، بغضّ النظر عن إرادة السكان الأصليين أو الوضع القانوني الدولي.
ولا ينفصل هذا الطموح الجغرافي عن منطق الهيمنة الاقتصادية، كما يتجلى في التعامل الأمريكي مع فنزويلا، حيث ارتبط السعي للسيطرة على مواردها النفطية بمحاولات سياسية وأمنية لتغيير النظام القائم، بما في ذلك ممارسات وصلت حدّ السعي لعزل أو أسر رئيس دولة ذات سيادة. هنا لا يعود النفط موردًا اقتصاديًا فحسب، بل أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية وفق المصالح الإمبراطورية.
وبالتوازي، يقوم المشروع الصهيوني على المنطق الاستيطاني الاستعماري نفسه. فقد احتُلت فلسطين التاريخية في 15 مايو/أيار 1948، و شُرّد سكانها الأصليين قسرًا من أجل أن يحل محلهم مستوطنين جدد جاؤوا من شتى أنحاء العالم.
ثم توسّع المشروع الصهيوني باحتلال الجولان السوري في العام 1967، دون اعتبار للقانون الدولي أو لحقوق الشعوب الأصلية، حيث ضمت إسرائيل هضبة الجولان السورية رسمياً في 14 ديسمبر/كانون الأول 1981.
و في 25 مارس/آذار 2019 اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ولاية رئاسته الأولى بقانون إسرائيل حول الجولان الصادر عام 1981 – المرفوض دوليًا – و الذي قضى بضم هضبة الجولان السّوريّة إلى أراضيها، بعد احتلالها في حرب 1967.
و في 6 ديسمبر/كانون الأول 2017 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اعترافه الرسمي بالقدس عاصمة لإسرائيل، حيث شكل هذا الاعتراف تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأمريكية المتبعة لعقود، مما أثار رفضاً دولياً واسعاً وموجة احتجاجات فلسطينية.
في 3 فبراير/شباط 2025 أشار ترمب إلى أن إسرائيل “قطعة أرض صغيرة للغاية” وشبّه مساحتها برأس قلم على مكتبه خلال تصريحات له في البيت الأبيض. جاء هذا التشبيه في سياق حديثه عن مساحة إسرائيل مقارنة بمنطقة الشرق الأوسط، وذلك وسط نقاشات حول ضم محتمل لأجزاء من الضفة الغربية و ذلك عشية لقائه مع نتنياهو.
وفي الخطاب السياسي والأيديولوجي لليمين الإسرائيلي، ولا سيما في عهد بنيامين نتنياهو، يتجلى تصور توسعي يتجاوز حدود دولة إسرائيل المعترف بها دوليًا، ويتجسد فيما يُعرف بـ“إسرائيل الكبرى”، حيث لا تُفهم الحدود إلا بوصفها مراحل مؤقتة في مسار توسع مفتوح، تُمنح له أحيانًا شرعية دينية تُضفي على الاستعمار بعدًا “قدريًا”.
إن الربط بين هذه الحالات لا يقوم على المماثلة المباشرة بين الوقائع، بل على تحليل النسق الذهني والسياسي المشترك الذي يرى الأرض مجالًا للسيطرة لا فضاءً لحقوق الشعوب. ويكشف هذا النسق أن الاستعمار الاستيطاني، سواء في التجربة الأمريكية أو في الحالة الصهيونية، ليس صفحة من الماضي، بل مشروعًا مستمرًا، يتكيّف مع السياقات الجديدة، ويطلّ برأسه كلما ضعفت القيود الأخلاقية والقانونية، وكلما اختلّ ميزان القوة.

بقلم المهندس زياد القوصيني – السويد
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

