مقال رأي/ في بلاد الصقيع حيث الوقت يحسب بالدقائق والنجاح يقاس بالاستقلال الفردي المطلق. يكبر في صدور المهاجرين العرب هاجس ينمو ككرة الثلج مع مرور السنين هو ليس خوفا من الشتاء الطويل ولا من قوانين الهجرة المتقلبة في السويد ولا من خسارة مشروع اقتصادي بل هو خوف من تلك اللحظة التي ينتهي فيها المشوار في غرفة باردة داخل دار الرعاية حيث الهدوء يقتل الروح واللغة تبدو غريبة والذكريات هي الونيس الوحيد للمغترب
بالنسبة للأب أو الأم فإن دار العجزة ليست مجرد مؤسسة صحية توفر العناية. إنها في الوجدان الشعبي تعني النفي القسري واللحظة التي تنكسر فيها خيمة العائلة الصدمة هنا ليست في جودة الرعاية السويدية التي تصنف كأفضل رعاية طبية في العالم بل في الاغتراب الروحي القاتل الذي يعيشه المسن العربي بعيدا عن ضجيج أحفاده فكيف لممرض سويدي مهما بلغت إنسانيته أن يفهم حاجة عجوز عربي لجلسة ضحك عفوية أو رغبته في سماع صوت الأذان او شوقه لرؤية من يلقي عليه السلام كالتي كان يسمعها ويراها في مجالس او طرقات بلداننا العربية أو حتى فهم نكتة شعبية بلهجة غادرت بلادها منذ عقود
يجد الجيل الأول من المهاجرين نفسه اليوم أمام مفارقة مؤلمة وموجعة للقلب هم من ضحوا بشبابهم لتأمين حياة كريمة لأبنائهم في مجتمع يحترم الإنسان والآن انخرط هؤلاء الأبناء في عجلة الحياة السويدية المتسارعة والالتزامات الصعبة يخاف الآباء أن يصبحوا عبئا ثقيلا في مجتمع لا يقبل الثقل ولا يرحم الضعيف وأن تتحول زيارة الأبناء إلى موعد رسمي مسجل على التقويم بدلا من دفء اللقاء اليومي
من أكثر القصص مأساوية في دور الرعاية في السويد هي ظاهرة( الارتداد اللغوي) مع تقدم العمر حيث ينسى المسن لغته الثانية السويدية ولا تتبقى في ذاكرته سوى حروف لغته الأم هنا تصبح بدون شك ( الصرخة صامتة) حقاً حيث يصرخ المسن بوجعه بالعربية فلا يفهمه أحد من حوله ويحاول الممرض مساعدته بالسويدية فلا يصل الصوت إلى قلب المسن الذي ضاعت كلماته إنها عزلة مزدوجة وسجن داخل جدران المؤسسة التي تفتقر لروح الشرق وتفاصيله
هذا القلق الجماعي بدأ يولد تساؤلات ملحة في أوساط الجالية العربية المقيمة هنا لماذا لا توجد دور رعاية بثقافة عربية تمولها الدولة وتديرها كوادر تفهم خصوصيتنا هل العودة إلى الأوطان في سن الشيخوخة هي الحل الوحيد لكرامة الإنسان المسن أم أن الأوطان نفسها لم تعد كما تركناها وأصبحت غريبة عنا كما هي السويد الآن.
البريد الأخير… ليس رسالة مكتوبة بل هي تلك النظرة المنكسرة في عيون مسن مهاجر وهو يراقب الثلج خلف نافذة غرفته وحيدا متمنيا لو أن نهايته كانت تحت شمس بلاده بين أحفاد يتسابقون لتقبيل يده لا في صمت مطبق يقطعه فقط صوت أجهزة المراقبة
اخيرا نختم ما كتبناه: “ولمثل هذا اليوم والمكان يجب ان نستعد أن لم تسحبنا الايام رجوعاً الى اوطاننا”.

بقلم بهاء الجميلي
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

