رأي/ في الأوقات التي تفقد فيها المجتمعات توازنها، وتنهار فيها الثقة بالمؤسسات والنخب التقليدية، تخرج من تحت الرماد قوى راديكالية تزعم أنها تملك “الحل”. من جهة، ينهض اليمين المتطرف في أوروبا على أكتاف الخوف من الآخر، ومن جهة مقابلة، تتسلل الجماعات الإسلامية المتشددة في الشرق الأوسط تحت عباءة الدين، مستثمرة الغضب والإقصاء. ورغم اختلاف الشكل والمرجعية، إلا أن النتيجة واحدة: تقويض المجتمعات من الداخل، وجرّها إلى العنف والانغلاق والانقسام.
هذه الحركات، سواء ارتدت القناع القومي أو الديني، لا تنشأ في فراغ. بل هي انعكاس طبيعي لأوضاع مختلة: فراغ سياسي، فشل اقتصادي، وشرخ عميق بين الدولة والمجتمع. إنها أعراض واضحة لأزمة أعمق بكثير من مجرد خلافات أيديولوجية.
في أوروبا والعالم الغربي، لا يمكن الحديث عن صعود اليمين المتطرف دون التوقف عند أحداث 11 سبتمبر 2001. تلك اللحظة لم تخلق هذه الحركات، لكنها وفّرت لها ذريعة ذهبية للتوسع. فمنذ الثمانينيات والتسعينيات، كانت هناك تنظيمات قومية ترفع شعارات “نقاء الأمة” ومناهضة الهجرة. لكن مع هجمات نيويورك، تصاعدت نبرة الخوف من “الخطر الإسلامي”، فاستثمرت الحركات اليمينية هذه اللحظة لتكريس سردياتها، ووجدت أرضاً خصبة في أوساط القلقين من التغيرات الديموغرافية والثقافية.
في السويد، كانت سنة 2010 نقطة تحول تاريخية حين دخل حزب “ديمقراطيو السويد” (SD) البرلمان لأول مرة. الحزب، الذي خرج من رحم تيارات متشددة، عرف كيف يوظف أزمات اللجوء، وتصاعد الجريمة، وخوف الناس من التغيير لصالحه. ومع الوقت، فرض نفسه رقماً صعباً في السياسة السويدية، وأعاد تشكيل خريطة التحالفات، حتى بات اليوم شريكاً فعلياً في صيغة “اتفاق تيدو” التي تدير شؤون البلاد. وخطابه المعادي للمهاجرين لم يجرّد فقط النقاش العام من توازنه، بل دفع أحزاباً تقليدية إلى تبني لهجة أكثر صرامة، في قضايا كانت في السابق من المحرّمات السياسية.
في الشرق الأوسط، يبدو المشهد أكثر دموية، لكنه ليس بعيداً في الجذر. الجماعات الإسلامية المتطرفة، من “القاعدة” إلى “داعش”، لم تولد من عبث، بل من فشل الأنظمة الاستبدادية في بناء عقد اجتماعي عادل. أنظمة قمعت الحريات، واحتكرت الثروة، وساهمت في تهميش أجيال كاملة من الشباب. وحين أُغلق باب الأمل، تسلل الخطاب المتشدد، مدعوماً أحياناً من قوى خارجية، وارتدى لبوس “الخلاص الإلهي”.
هذه الجماعات قدمت نفسها كبديل عن أنظمة فقدت شرعيتها، لكنها لم تكن سوى أدوات تخريبية تهاجم فكرة الدولة الحديثة، وتغتال العقل، وتُغرق المجتمعات في ظلام التكفير والتدمير. باسم الدين، نُحر الأمل، وباسم الشريعة، أُعدم التنوع.
في المحصلة، التطرف لا يولد وحده، ولا يموت وحده. إنه يتغذى على التهميش، على الفوضى، على صمت الدولة وترددها، وعلى فشل السياسة في تقديم حلول حقيقية. سواء كان التطرف قومياً أو دينياً، فنتيجته واحدة: مجتمعات خائفة، منقسمة، تحلم بالماضي وتخشى المستقبل.
مواجهة هذه الظواهر لا تتم بالشعارات ولا بالردع الأمني فقط، بل بتصحيح البنية التي أنجبتها: تعليم حُر، فرص متكافئة، إعلام مسؤول، وسياسة تستمع لا تستعرض ولا تُهاجم. عندها فقط، يمكن للإنسان أن يختار النور بدل العتمة، والأمل بدل الخراب.
لينا سياوش
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس بالضرورة عن SWED 24

