مقال رأي/ تلعب البلديات في السويد دورًا محوريًا في منظومة دولة الرفاه، إذ تتحمل مسؤوليات مباشرة تمسّ حياة المواطنين اليومية، بدءًا من التعليم والرعاية الاجتماعية وصولًا إلى البنية التحتية المحلية والخدمات الأساسية. ومع ذلك، يُلاحظ أن اهتمام المواطنين بالسياسة البلدية لا يزال محدودًا، إذ لا يعرف سوى عدد قليل منهم أسماء ممثليهم المحليين، حيث يجهل ثلاثة من كل عشرة سويديين الحزب الذي يدير شؤون بلديتهم، وفق ما نشرته الجريدة المحلية يتبوري بوست في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 وهو ما يعكس تأثرهم بالخطاب الوطني الأكثر حضورًا في الإعلام على حساب تقييم الأداء الفعلي للمجالس البلدية.
إن إجراء الانتخابات المحلية والبرلمانية في يوم واحد يحجب السياسة البلدية خلف الضجيج السياسي الوطني، حيث تهيمن الحملات الكبرى وخطابات قادة الأحزاب على المشهد العام، فيما تُهمَّش القضايا الضرورية التي تشكل جوهر الحياة اليومية للمواطنين. ونتيجة لهذا الدمج، لا يحصل السياسيون المحليون على تفويض انتخابي قائم على عملهم ومبادراتهم، بل تُختزل مكانتهم في صورة شعبية أحزابهم على المستوى الوطني، الأمر الذي يحدّ من مساءلتهم ويضعف جودة الحكم المحلي
وفي ضوء ذلك، يبرز فصل الانتخابات بوصفه آلية إصلاحية ضرورية تمنح السياسة المحلية فرصة للظهور والتفاعل، وتتيح للناخبين التركيز على البرامج البلدية وعلى أداء المسؤولين المحليين بمعزل عن تأثير الحملات الوطنية. كما أن تخصيص يوم مستقل للانتخابات البلدية يعزز قدرة الأحزاب على تجنيد شخصيات مؤهلة للعمل المحلي، ويرفع من مستوى الاهتمام الشعبي بالحوكمة البلدية، ويقوّي اللامركزية عبر منح البلديات تفويضًا سياسيًا أوضح وأكثر استقلالية في ممارسة مهامها
وقد ازدادت خلال السنوات الأخيرة الدعوات إلى تبنّي هذا النهج، ومن أبرزها ما طرحه فريدريك يوهانسون في صحيفة فريدريك يوهانسون في صحيفة بتاريخ 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حيث أكد أن فصل الانتخابات من شأنه تنشيط الاهتمام العام بالقضايا المحلية، ولا سيما في ظل تزايد الاختلاف بين ديناميات السياسة الوطنية والبلدية. ويُتوقع أن يؤدي الفصل إلى تعزيز استقلالية البلديات، وتمكين الناخبين من تقييم ممثليهم المحليين بناءً على معايير مهنية وموضوعية، لا على أساس الانطباعات العامة عن أداء الأحزاب في البرلمان
وتدعّم تجارب الإسكندنافية هذا التوجه؛ فالدنمارك والنرويج وفنلندا تفصل بين الانتخابات المحلية والوطنية منذ عقود، وقد أسهم ذلك في رفع المشاركة السياسية وتحسين جودة الحوكمة المحلية وتعزيز المساءلة. وفي المقابل، تبقى السويد استثناءً بين دول الشمال بتمسّكها بإجراء الانتخابات في يوم واحد، وهو نهج لم يعد متناغمًا مع متطلبات الديمقراطية الحديثة ولا مع التحولات التي طرأت على البنية السياسية والاجتماعية السويدية
وتكشف المواقف الحزبية عن وجود أغلبية برلمانية، تضم الأحزاب البرجوازية وحزب ديمقراطي السويد تؤيد فصل الأيام الانتخابية، إلى جانب انفتاح حزب البيئة على الفكرة. أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي فيستمر في معارضته التقليدية، رغم أن الظروف الاجتماعية والسياسية التي أسست لهذا الموقف لم تعد قائمة بالطريقة ذاتها، بعد تغيّر تركيبة ناخبيه وتبدّل طبيعة السلطة المحلية
ويترتب على النظام الحالي أيضًا تحديات في استقطاب الكفاءات السياسية للعمل البلدي، إذ يؤدي ضعف الاهتمام بالشأن المحلي إلى إحجام العديد من المؤهلين عن المشاركة في الحياة السياسية البلدية، ما يفسح المجال أمام توسع نفوذ الموظفين الإداريين على حساب المنتخبين، ويحدّ من المساءلة الديمقراطية. أما فصل الانتخابات، فيمكن أن يخلق بيئة أكثر جاذبية لتطوير قيادة محلية ذات كفاءة، قادرة على التعامل مع التحديات اليومية للمواطنين
كما يعزز الفصل بين الانتخابات مبادئ اللامركزية الفاعلة، من خلال إتاحة المجال أمام البلديات لتطوير حلول تناسب خصوصياتها المحلية، ضمن إطار وطني يحافظ على العدالة والمساواة. ويمكن للخبرات الناجحة في بعض البلديات أن تتحول إلى نماذج يُحتذى بها، الأمر الذي يعمّق الإحساس بالمسؤولية ويمنح المواطنين شعورًا أكبر بقدرتهم على التأثير في صنع القرار
وفي المحصلة، لا يُعدّ فصل الانتخابات البلدية عن البرلمانية مجرد إجراء تقني، بل هو إصلاح جوهري لتعزيز الديمقراطية المحلية في السويد، وزيادة المشاركة الشعبية، وترسيخ استقلال البلديات في ممارسة مهامها. ومن شأن هذا الإصلاح أن يتيح للناخبين تقييم ممثليهم المحليين على أساس الأداء الفعلي، وأن يعيد إلى البلديات مكانتها كفضاءات سياسية مستقلة وقادرة على التأثير المباشر في حياة الناس اليومية، الأمر الذي يشكل خطوة أساسية نحو نظام سياسي أكثر حيوية وشفافية وفاعلية
فريد باسيل الشاني
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

