SWED24: وصل فيلم Den svenska länken (الرابط السويدي) إلى منصة نتفليكس في 19 فبراير الجاري، مقدّماً معالجة درامية مكثفة لدور السويد في خضم أهوال عام 1942، حين كانت أوروبا ترزح تحت تمدد ألمانيا النازية بقيادة هتلر.
الفيلم يستعيد سيرة الموظف السويدي يوستا إنغيزيل (Gösta Engzell)، الذي عمل في قسم الهجرة بوزارة الخارجية، ويُصوَّر بوصفه “حلقة الوصل” الإنسانية التي مكنت عشرات الآلاف من اليهود من الإفلات من المحارق النازية.
أداء تمثيلي محوري
يقود العمل الممثل السويدي يوستا إنغيزيل (وفق المعالجة الدرامية للشخصية)، مجسداً موظفاً بيروقراطياً بسيطاً ظاهرياً، لكنه تحوّل إلى شخصية مفصلية في مسار إنقاذ إنساني واسع النطاق.
يبرز الفيلم كيف أدّى إنغيزيل مهامه الوظيفية بإخلاص وتفانٍ داخل قسم الهجرة، مستنداً إلى القانون، لكنه تجاوز حدود الحياد البارد إلى المسؤولية الأخلاقية. لم يكن وزيراً ولا صاحب قرار سياسي أول، بل موظفاً أدرك أن النصوص يمكن أن تُستخدم لإنقاذ الأرواح، لا لتعطيلها.
بأداء هادئ ومتزن، ينقل الممثل صراع الشخصية الداخلي بين واجب الدولة التي اختارت الحياد، وواجب الضمير الإنساني في مواجهة جرائم تتكشف تباعاً في أوروبا المحتلة. ويُظهر الفيلم شجاعة إنغيزيل في المضي قدماً بقراراته حتى وإن كانت قد تُغضب برلين أو تُحرج بعض صناع القرار في ستوكهولم.
السويد بين الحياد والواقع الأخلاقي
تدور أحداث الفيلم في عام 1942، حين كانت ألمانيا قد بسطت سيطرتها على أجزاء واسعة من أوروبا، بينما اختارت السويد سياسة الحياد. هذا الحياد لم يكن بسيطاً، فقد تضمن اتفاقيات مع برلين، من بينها السماح بمرور قوات ألمانية عبر الأراضي السويدية وتزويدها ببعض الاحتياجات اللوجستية.
في ذلك السياق، يكشف الفيلم أن بعض المسؤولين السويديين حاولوا التقليل من التقارير المتزايدة حول المحارق، معتبرينها مبالغات أو “افتراءات”، خشية استفزاز هتلر وقيادته. غير أن إنغيزيل وفريقه القانوني رأوا في هذا التواطؤ الصامت انحرافاً عن المهنية والإنسانية.
الذروة الدرامية تأتي حين يخرج إنغيزيل في مؤتمر صحفي ليعلن تخفيف شروط التأشيرة أمام اليهود الفارين، في خطوة اعتُبرت تحدياً غير مباشر للنازية، وأثارت امتعاض شخصيات سياسية كانت ترى أن الأولوية هي تجنّب أي صدام مع برلين.
إنقاذ عشرات الآلاف
يركز الفيلم على “القوة الصامتة” للإدارة: كيف يمكن لقسم الهجرة، عبر تفسير مرن للقوانين وتسريع الإجراءات ومنح تأشيرات، أن يتحول إلى أداة إنقاذ.
يُظهر العمل أن إنغيزيل وفريقه لم يكونوا ثواراً يحملون السلاح، بل موظفين استثمروا ما لديهم من صلاحيات لتسهيل دخول اللاجئين اليهود إلى السويد، ما أسهم في إنقاذ عشرات الآلاف من المصير الذي انتهى بكثيرين في غرف الغاز.
قراءة فنية وتاريخية
فنياً، يعتمد الفيلم على إيقاع هادئ وتوتر داخلي أكثر من المشاهد الصاخبة. التصوير يميل إلى الألوان الباردة، عاكساً أجواء أوروبا في زمن الحرب، فيما تأتي الحوارات مكثفة ومشحونة بالمعاني السياسية والأخلاقية.
لا يقدم «الرابط السويدي» سردية بطولية مبسّطة، بل يطرح تساؤلات معقدة حول معنى الحياد: هل يكفي أن تبقى خارج الحرب؟ أم أن الصمت أمام الجريمة شكل من أشكال التواطؤ؟
الفيلم يعيد فتح نقاش قديم حول دور السويد في الحرب العالمية الثانية: دولة لم تحتلها ألمانيا، لكنها اضطرت إلى موازنة بقائها السياسي مع مسؤوليتها الأخلاقية. وفي خضم هذا التوازن، يسلّط الضوء على أفراد اختاروا الانحياز للإنسانية، حتى لو خالفوا المزاج الرسمي الحذر.
عمل يثير النقاش
من خلال شخصية يوستا إنغيزيل، يقدّم الفيلم نموذجاً للموظف العام الذي يدرك أن وظيفته ليست مجرد تنفيذ أوامر، بل حماية قيم العدالة والكرامة الإنسانية.
وبينما كانت دول عديدة إما مؤيدة لهتلر أو خاضعة لجبروته، يبرز العمل أن بعض القرارات الفردية داخل مؤسسات الدولة يمكن أن تُحدث فرقاً تاريخياً.
«الرابط السويدي» ليس مجرد دراما تاريخية، بل تذكير بأن الشجاعة قد تتجسد أحياناً في توقيع إداري، أو في قرار تأشيرة، أو في مؤتمر صحفي يغيّر مصير آلاف البشر.
لينا نوري سياوش

