مقال رأي/ لم يعد كافياً في السياسة المعاصرة تسويق الخوف عبر الأرقام أو الوقائع أو حتى الأخبار المفبركة. اليوم، دخلنا مرحلة جديدة وأكثر خطورة تسييس الأحلام.
في السياسة، هناك دائماً خيط رفيع بين التجربة الشخصية والنقاش العام. السياسيون بشر، يتأثرون بما يرونه ويسمعونه ويخافونه. لكن عندما تُنقل التجربة الذاتية — وبالأخص الأحلام والكوابيس — إلى المجال العام بوصفها إشارات سياسية، فإننا نكون أمام تحوّل مقلق في طبيعة الخطاب السياسي نفسه.
زعيم حزب ديمقراطيي السويد، جيمي أوكيسون، لم يكتفِ بسرد تفاصيل كابوس شخصي، بل قدّمه للرأي العام بوصفه تجربة كاشفة عن “الخطر” الذي يتهدد السويد والغرب. في حلمه، يطارده رجل “إسلامي متطرف”، معادٍ للسامية، يصرخ بلغة أجنبية. وفي الواقع، ينتهي الحلم بجرح في الجبين، وست غرز، وسفر إلى القدس، ثم تصريحات ومطالب سياسية. للأسف هذه ليست طرفة أو مزحة الأول من أبريل بل هذا هو الواقع.
هنا، يتغيّر معنى القصة بالكامل. لم يعد الأمر متعلقًا بحلم شخصي مؤسف، بل أصبح جزءًا من سردية سياسية أوسع تُعيد إنتاج صورة “التهديد” عبر مستوى جديد (اللاوعي). الحلم يتحول إلى أداة رمزية، يُسيطر عليها المسلم الغاضب، الغريب لغويًا، المعادي لليهود، هو ذاته العدو الذي يجب إدراجه في قوائم الإرهاب، وتشديد القوانين باسمه، وتوسيع دائرة الاشتباه حوله.
الخطير هنا ليس الحلم، بل الرسالة؛ هذا (الآخر) يلاحق السياسيين حتى في نومهم، فكيف يمكن الوثوق به في الشارع، أو المدرسة، أو المسجد، أو في صندوق الاقتراع؟
في السياق السويدي، اعتدنا — تاريخياً — على نقاش سياسي يستند إلى مؤسسات قوية، وتحليل عقلاني، ومسافة واضحة بين الانفعال الشخصي وصناعة القرار. لكن إدخال الأحلام في الخطاب العام يُضعف هذه المسافة. فالحلم لا يمكن التحقق منه، ولا مناقشته، ولا تفكيكه منطقياً. ومع ذلك، يُستخدم اليوم كأداة سياسية في الخطاب العام، لتشويه صورة وسن قوانين وتوسيع تعريف القيم غير المقبولة في المجتمع.
بهذا المنطق، تصبح السياسة ممارسة نفسية لا عقلانية، قائمة على الفوبيا لا على القانون. ويُختزل النقاش العام من أسئلة معقدة حول التطرف، والاندماج، والأمن، إلى صور بدائية: نحن مقابل هم، أمان مقابل خطر، النور مقابل الظلام، الحضارة مقابل “اللغة الأجنبية غير المفهومة”.
السياسة، في جوهرها، إدارة الواقع، لا إدارة الكوابيس. وعندما يبدأ القادة بتشريع القوانين استنادًا إلى أحلامهم، فإن الخطر الحقيقي يكون في انهيار الحدود بين العقل والهواجس، وبين الدولة والعلاج النفسي.
السويد لا تحتاج إلى سياسيين يفسرون أحلامهم في الصحف، بل إلى قادة يواجهون الواقع بعقل وحكمة لا بحرارة الخوف.
في نهاية المطاف، السياسة الديمقراطية تقوم على المساءلة، والنقاش المفتوح، والقرارات القابلة للنقد. الأحلام، بطبيعتها، خارج هذا الإطار. إبقاؤها هناك ليس قمعًا للتجربة الشخصية، بل حماية للعقل العام.

بقلم: المهندس عبدالعليم الكاطع
سياسي في حزب الوسط السويدي، كاتب وباحث في القضايا السياسية والاجتماعية
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

