رأي/ تُعد الهجرة واحدة من أقدم الظواهر في التاريخ البشري، ولم تُولد مع القرن الحديث ولا مع موجات اللجوء الأخيرة. فالبشر عبر العصور انتقلوا من أرض إلى أخرى بحثًا عن الأمن أو الرزق أو الاستقرار. واليوم، تتصدر السويد واجهة النقاش الأوروبي حول الهجرة، في ظل توسع الجاليات الوافدة واحتدام الخطاب السياسي والإعلامي المرتبط بها.
تشير التقارير الدولية الحديثة إلى أن أكثر من 20.5٪ من سكان السويد مولودون خارج البلاد، أي أن واحدًا من كل خمسة أشخاص تقريبًا ينتمي لأصل مهاجر. هذا يشير إلى تحوّل ديمغرافي واضح جعل المجتمع السويدي متعدد الهويات والثقافات، ما يخلق مساحة جديدة للتعايش، لكنه يرافقه أيضًا نقاش واسع حول الاندماج والسياسات المنظمة للهجرة.
لماذا يهاجر الناس؟
الهجرة ليست ارتحالًا عابرًا، بل غالبًا خيار اضطراري.
أبرز أسبابها:
• البحث عن عمل وفرص اقتصادية أفضل.
• الفرار من النزاعات وعدم الاستقرار.
• الرغبة في الأمن والكرامة الإنسانية.
• لمّ شمل العائلات والتعليم والانفتاح.
وبذلك، فهي لا ترتبط بقومية أو دين معين، وليست حكرًا على العربي أو المسلم كما يروج في بعض الخطابات المتوترة.
واقع الهجرة في السويد اليوم
شهدت السويد خلال السنوات الأخيرة تشديدًا في قوانين اللجوء والإقامة، وهو ما يعكس توجهًا رسميًا نحو السيطرة على تدفق الهجرة وتنظيمها بطريقة أكثر صرامة.
ورغم هذه التحديات، فإنّ وجود المهاجرين في سوق العمل والتعليم والرعاية الصحية يؤكدَ أنهم جزء من بنية المجتمع لا هامشه. فالكثيرون منهم يعملون ويدفعون الضرائب ويساهمون في الاقتصاد الوطني، بينما تظل مشكلة الاندماج مرتبطة بعدة عوامل منها اللغة، سوق العمل، وسياسات الدعم والتأهيل.
المهاجر… عبء أم قيمة مضافة؟
لا شك أن أي مجتمع — بما فيه السويد — قد يشهد تجاوزات أو انحرافات فردية. غير أن تعميم الخطأ على كل المهاجرين يخلق صورة مشوهة لا تعكس الواقع. فالمهاجر قد يكون طبيبًا، مهندسًا، أستاذًا، صانعًا، أو فردًا يسعى إلى حياة شريفة. والتاريخ الحديث يشهد بنماذج عديدة أثرت إيجابًا في المجتمع السويدي وأسهمت في نموه.
المهاجر إذن ليس مشروع أزمة، بل طاقة بشرية قابلة للتحول إلى قوة إنتاجية وثقافية إذا تم تمكينها ودمجها بصورة عادلة.
خلاصة
الهجرة ليست شبحًا سياسيًا ولا رقمًا في الإحصاءات، بل هي قصة إنسان يبحث عن حياة أكثر كرامة. والبلد الذي يفتح أبوابه للعقول والطاقات يكسب تنوعًا وقدرة على النمو والتجدد.
السويد، مثل غيرها من دول العالم، تُبنى اليوم بتعدديتها وسكان وافدين — ولا مستقبل لأي مجتمع إذا اختار الانقسام بدل التكامل.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل المهاجر عبء؟
بل: كيف نحول وجوده إلى قوة مشتركة في بناء مجتمع يعيش فيه الجميع بفرص عادلة وإنسانية كاملة؟
بقلم: الكاتبة مريم المزوق
ناشطة نسائية ورئيسة الاتحاد النسائي العربي في السويد
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس بالضرورة عن SWED 24

