مقال رأي: إعلان حزب الديمقراطيين السويديين (SD) عن إطلاق ما سمّاه «الأكاديمية الحكومية» لا يمكن قراءته كخطوة تنظيمية تقنية، ولا كخبر إداري داخلي أو طموح حزبي. نحن أمام تحوّل نوعي في وعي الحزب بذاته، وفي علاقته المحتملة بالدولة السويدية ومؤسساتها.
للمرة الأولى، يتصرّف SD علناً كحزب يضع قدمه داخل بنية الحكم، لا على هامشها. فالحزب الذي بنى صعوده السياسي على خطاب الاحتجاج، والنقد الجذري للنخب، والتشكيك في مؤسسات الدولة، بات اليوم يستعد لتولّي الحكومة، أي المواقع التي تُصاغ فيها السياسات السويدية.
هذا التحوّل يحمل مفارقة سياسية عميقة؛ هل نحن أمام حزب يتخلّى تدريجياً عن شعبويته ليصبح «حزب دولة»، أم أمام شعبوية تستعد لاختراق الدولة من الداخل؟
هل تسمح الدولة السويدية بتحوّل الحزب الاحتجاجي إلى حزب حاكم دون أن تتآكل مناعتها المؤسسية؟
تاريخياً، لم يكن SD حزب كفاءات إدارية أو خبرات بيروقراطية. بل قدّم نفسه كبديل عن المؤسسة السياسية التقليدية، لا كجزء منها. إطلاق برنامج تدريبي لإعداد كوادر للحكم يعني اعتراف ضمني بأن الخطاب الذي يروجه الحزب وحده لا يكفي، وأن الدولة لا تُدار بالخطابات الانتخابية.
لكن السؤال الأكثر حساسية هو؛ أي دولة يريد SD أن يديرها؟ وبأي عقل مؤسسي؟
حين يدخل حزب مثل SD إلى منظومة الدولة يحدث صراع بطيء، وغير مرئي، داخل التفاصيل؛ في صياغة المذكرات، وفي اختيار المفردات، وترتيب الأولويات. عندها لا يعود الجدل أخلاقياً أو سياسياً، بل إدارياً، ويصبح الاعتراض أصعب.
هل ستُدرَّس في هذه الأكاديمية قيم الإدارة العامة السويدية القائمة على الحياد، والاستقلالية، والتوازن بين السلطات؟ أم ستتحوّل إلى فضاء لإعادة إنتاج خطاب الحزب داخل جهاز الدولة، بما يهدد مبدأ الفصل بين السياسة والإدارة؟ بتصوري القلق ليس في التدريب، بل في المحتوى.
في بلد مثل السويد، حيث تُعدّ الإدارة العامة من أكثر الإدارات استقلالية في أوروبا، فإن أي محاولة لتسييس البيروقراطية تمثّل كسراً غير معلن لعقد اجتماعي طويل الأمد.
التجارب الأوروبية تشير إلى أن الأحزاب الشعبوية حين تدخل السلطة، لا تفكك الدولة، بل تعيد تشكيلها على صورتها، وغالباً ما تُنتج مركزية أشد، وحساسية أكبر تجاه التعدد.
الأخطر في هذا التطوّر ليس فقط صعود SD، بل اعتياد النظام السياسي السويدي على فكرة أن SD حزب حاكم محتمل. حين يبدأ الحزب بتدريب كوادره للحكم، وحين تتعامل وسائل الإعلام مع الأمر بوصفه طبيعياً، نكون قد انتقلنا من مرحلة هل يمكن أن يحكم SD؟ إلى مرحلة كيف سيحكم؟ وهنا يكمن التحوّل الحقيقي.
السويد لا تواجه فقط حزباً يمينياً يستعد للسلطة، بل تواجه سؤالاً وجودياً أعمق: هل مؤسساتها قادرة على استيعاب هذا التحوّل دون أن تتغيّر من الداخل؟ أم أن الدولة نفسها ستُعاد صياغتها وفق منطق سياسي جديد، أقل تسامحاً، وأكثر أيديولوجية؟
السؤال الأهم: لماذا أصبح من المعقول، بل الطبيعي، أن يستعد SD للحكم؟
الجواب غير المريح هو أن الفراغ السياسي والفكري الذي تركته الأحزاب الكبرى هو ما سمح لهذا التحوّل. فحين تفشل النخب في تجديد خطابها، لا يبقى للناخب إلا من يَعِده بالحسم والبساطة، حتى لو كانت تلك البساطة وهمية.
السويد أمام مفترق هادئ لكنه حاسم. حيث لا توجد دراما فورية هنا. لا انقلاب، ولا صدام، ولا كسر فجّ للقواعد. وهذا تحديداً ما يجعل اللحظة خطرة.
فالتحوّلات الكبرى في الديمقراطيات المستقرة لا تأتي بالعنف، بل بالتدرّج، وبالتعوّد، وبخفض سقف الصدمة.
هنا لا يعود السؤال إن كان SD سيغيّر السويد، بل إن كانت السويد قد بدأت فعلاً في تغيير تعريفها لذاتها دون أن تنتبه. فهل ما نشهده استعداد حزب للحكم؟ أم استعداد دولة كاملة للقبول بما كانت ترفضه بالأمس؟

بقلم: المهندس عبدالعليم الكاطع
سياسي في حزب الوسط السويدي، وكاتب وباحث في القضايا السياسية والاجتماعية
Foto: Sanne Svensson
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

