مقال رأي/ منذ سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ودخول البلاد مرحلة انتقالية تحت سلطة حكومة مؤقتة، عادت التساؤلات حول العلاقة بين سوريا والدول الأوروبية إلى الواجهة، وخصوصًا فيما يتعلق بالمساعدات الدولية وملف اللاجئين.
وتُعد السياسة السويدية نموذجًا كاشفًا لهذه المرحلة، ليس فقط بحكم دور ستوكهولم الإنساني، بل أيضًا من خلال التوتر الظاهر بين الخطاب السياسي العلني والنتائج العملية على الأرض. تشير خطة التعاون الإنمائي السويدي لسوريا لعام 2025، الصادرة عن Sida، إلى التزام ستوكهولم بفصل الدعم الإنساني عن دعم الدولة.
فالمساعدات لا تمر عبر الحكومة الانتقالية، بل تُوجَّه بالكامل إلى منظمات دولية تعمل وفق آليات رقابة مستقلة. هذا الموقف لا يقتصر على الحياد المالي، بل يعكس توجهًا سياسيًا مفاده أن التحول السياسي في سوريا لا يعني بالضرورة الاعتراف الكامل بمؤسسات الدولة أو تمويلها. لكن هذه المقاربة أُخضعت لاختبار حقيقي في أعقاب الزيارة الرسمية التي قام بها كل من وزير الهجرة ووزير التعاون الإنمائي السويديين إلى دمشق في مايو 2025.
وبينما سُوّقت الزيارة بوصفها خطوة تاريخية في العلاقات الثنائية، فإن الاستقبال السوري كان فاترًا. فقد أُفيد بأن لقاءً مع الرئيس الانتقالي أُلغي بعد تبيُّن أن السويد لا تعتزم تقديم دعم مالي مباشر للحكومة. واقتصر الوفد السويدي على لقاء بروتوكولي مع وزير الخارجية السوري، ما يعكس تحفظًا سياسيًا واضحًا من الطرف السوري.
جوهر الزيارة لم يكن إنسانيًا فقط، بل دار حول ملف إعادة اللاجئين، وهو ما أقر به الطرفان لاحقًا. وحسب تقارير من صحيفة “داغنز نيهيتر” ومواقع إخبارية سورية عدة، وافقت دمشق على استقبال ما بين 120 و130 سوريًا فقط، جميعهم مدانون بجرائم جنائية خطيرة في السويد، بينما رفضت بشكل قاطع استعادة طالبي اللجوء المرفوضين لأسباب إدارية أو سياسية.
أكدت وزارة الخارجية السورية الانتقالية أن أي ترحيل يجب أن يتم فقط في إطار تفاهمات دولية شاملة، وأنها ترفض العودة القسرية باعتبارها انتهاكًا لحق اللاجئ في الحماية. هذا الموقف ينسجم مع ما عبّر عنه المسؤولون السوريون أثناء زيارة وزير الخارجية الدنماركي إلى دمشق في أبريل، حين أبدوا استعدادهم للتعاون في حالات العودة الطوعية فقط، ورفضوا أي ضغوط لترحيل المرفوضين. وفيما كانت كوبنهاغن أكثر وضوحًا في إعلان النتائج المتواضعة للزيارة، اختارت ستوكهولم خطابًا أكثر إيجابية، مركِّزة على التقدم المحدود في ملف المُدانين جنائيًا، دون التطرّق إلى الرفض الأوسع من دمشق.
اللافت هنا أن النتائج الدنماركية والسويدية كانت شبه متطابقة، لكن طريقة عرضها للرأي العام اختلفت. ففي حين قدّمت الحكومة الدنماركية فشلها في التوصل إلى تفاهم شامل بوضوح، حاولت السويد إبراز أي اختراق، ولو رمزيًا، باعتباره إنجازًا. ويُعزى هذا إلى السياق الانتخابي السويدي المرتقب، حيث تشكل الهجرة إحدى أبرز القضايا السياسية، ما يدفع الحكومة إلى تسويق التعاون المحدود مع دمشق كدليل على حزمها في ملف العودة.
لكن التركيز على الأبعاد السياسية يغفل بُعدًا جوهريًا: اللاجئون أنفسهم. فهؤلاء، وهم مئات الآلاف من السوريين المقيمين في أوروبا، لا يُستشارون فعليًا في السياسات التي تحدد مصيرهم. النقاشات الدائرة غالبًا ما تدور بين حكومات، فيما تُغيب أصوات اللاجئين المتأثرين، سواء من يخشون الترحيل أو من يرغبون بالعودة وفق شروط إنسانية آمنة. في ظل هذا الواقع، تظهر الحاجة إلى مقاربة أوروبية أكثر شفافية، تُوازن بين المصالح السياسية وحقوق الأفراد.
يجب أن تشمل أي سياسة للعودة عناصر الحماية القانونية، وضمانات بعدم تعرض العائدين للاعتقال أو الانتقام، وأن تُبنى بالتعاون مع منظمات دولية مستقلة، كما دعت إلى ذلك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في توصياتها الأخيرة بشأن سوريا. في المحصلة، توضح الحالة السويدية ثلاث مفارقات كبرى:
أولًا، أن الدعم الإنساني لا يزال منفصلًا عن الاعتراف السياسي رغم زيارات رفيعة المستوى.
ثانيًا، أن دمشق تبدي مرونة انتقائية، تتيح استقبال بعض الأفراد دون الانخراط في ترتيبات عودة شاملة.
وثالثًا، أن الخطاب الحكومي الأوروبي لا يعكس دائمًا حقيقة ما يجري، بل يتشكل وفق الحسابات الداخلية أكثر من استناد إلى نتائج فعلية. وبين خطاب سياسي حذر ومساعدات مشروطة، يظل ملف اللاجئين السوريين معلقًا، لا تحكمه بعد رؤية واضحة أو شراكة متكافئة. وحتى تتشكل تلك الرؤية، تبقى مصائر الأفراد رهينة تفاهمات لا يُشاركون فيها، رغم أنهم أول من سيتأثر بنتائجها.

حازم داكل – صحفي سوري
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

