منذ 27 سنة وأنا أمارس الطب. رأيت المرضى يتغيرون، والأنظمة تتبدل، والأجهزة تتطور. لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو ذلك الشعور في غرفة الفحص، لحظة الصمت القصيرة قبل أن يتكلم المريض.
الذكاء الاصطناعي يدخل الطب اليوم من أوسع أبوابه، ومعه حماس كبير وقلق أكبر. كثيرون يسألون: هل سيحل محل الطبيب؟
لكنّي أرى الأمر بشكل مختلف. الذكاء الاصطناعي بالنسبة لي هو فرصة لنستعيد الطب كما كان يوما: أقرب إلى المريض، أهدأ، وأكثر إنسانية.
السويد تملك بنية رقمية قوية وسجلات طبية مترابطة وثقة مجتمعية عالية. لكنها أيضًا تواجه طوابير انتظار طويلة ونقصًا في الأطباء في كل منطقة تقريبا. الناس تعبت، والأطباء كذلك.
الحل ليس في زيادة عدد الزيارات، بل في تحسين نوع اللقاء. أن نستعيد وقتنا المفقود خلف الشاشات. هنا يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي حليفا ذكيا، لا خصما جديدا.
تخيل أنك تدخل عيادتك في الصباح. قبل أن يبدأ أول مريض، تجد على الشاشة ملخصا واضحا: أهم التغيرات، آخر التحاليل، الأدوية الجديدة. وفي أثناء الزيارة، يكتب النظام الملاحظات تلقائيا، ويراجع التداخلات الدوائية، ويقترح خطة متابعة. ليس ليتكلم بدلاً عنك، بل ليتيح لك أن تنظر في عيني مريضك بدل شاشة الحاسوب.
لو سارت الأمور بالاتجاه الصحيح، فخلال عشر سنوات سيصبح لدينا مساعدين رقميين يعملون مع كل طبيب، عيادات هجينة تمزج بين الزيارة الرقمية واللقاء الواقعي بذكاء، ونظام وقائي يتنبأ بالمضاعفات قبل حدوثها، وإدارة طبية أبسط لا تستهلك نصف طاقة الفريق في الأوراق والتقارير. لكن الأهم من كل هذا أن تبقى العلاقة الإنسانية في المركز، لا على الهامش.
السويد قادرة على أن تصنع نموذجا مختلفا لأنها بلد الثقة والشفافية. الذكاء الاصطناعي هنا يجب أن يُبنى مع الأطباء والممرضين والمرضى، لا يُفرض من الأعلى. المريض من حقه أن يعرف من قرر ولماذا، والطبيب من حقه أن يشعر أن التقنية تخدمه، لا تراقبه.
كل نظام جديد في الطب يُختبر في شيء واحد: هل يجعل يوم الطبيب والمريض أفضل؟ إن لم يفعل، فهو ليس تقدما. التقنية التي لا تعيد للطبيب عشر دقائق من وقته ليست ذكية، حتى لو كانت تعمل بالذكاء الاصطناعي.
أتخيل نظامًا صحيًا سويديًا أكثر هدوءًا وعدلاً. لا ضجيج أوراق ولا واجهات معقدة. الطبيب يسمع أكثر، والمريض يثق أكثر، والتكنولوجيا تعمل بصمت في الخلفية. الذكاء الاصطناعي سيغير الكثير من الأدوات، لكنه لن يغير قلب الطب إذا استخدمناه بحكمة.
أنا أؤمن أن المستقبل لا يُكتب بالكود فقط، بل بالقيم التي نضعها فيه. والأمل عندي ليس رفاهية، بل جزء من عملي اليومي.

