بعد أشهر من الهدوء النسبي، عادت أصوات الرصاص لتخترق ليالي العاصمة السويدية. ففي 25 أغسطس وقع إطلاق نار مزدوج في منطقة شمال ستوكهولم، أعقبه بعد أيام قليلة حوادث مشابهة. ولم تمضِ سوى ساعات على آخرها حتى استيقظت ستوكهولم مجدداً، فجر الأربعاء 27 أغسطس، على حادث إطلاق نار مزدوج آخر وقع على مسافة قصيرة جداً من مسرح الجريمة الأولى.
الشرطة تنفي “موجة عنف”.. والوقائع تروي قصة أخرى
رغم تكرار الحوادث وتزامنها الزمني والمكاني، تصرّ الشرطة السويدية على عدم استخدام مصطلح “موجة عنف”. المتحدثة باسم الشرطة ناديا نورتون قالت في تصريح صحفي إن “التحقيقات جارية في كل حادثة بشكل منفصل، ولا توجد معطيات كافية حتى الآن للربط بينها أو وصفها كموجة جديدة”.
فيما قال ماغنوس موفيتز، رئيس شرطة منطقة شمال ستوكهولم، في تصريحات للصحافة: “ما نشهده ليس تصعيداً جديداً، بل استمرار لمستوى مرتفع من العنف تشهده السويد منذ فترة طويلة. يمكن القول إننا شهدنا عدداً من الجرائم المكتملة خلال فترة قصيرة وفي نطاق جغرافي محدد في شمال ستوكهولم”.
لكن الواقع، كما يصفه السكان، يبدو أكثر قتامة. فالتقارب الزمني بين الحوادث يثير الرعب ويعيد للأذهان العام 2023، حين اجتاحت البلاد موجة من جرائم العصابات وعمليات التصفية الدموية.
وقد يكون وقوع جرائم إطلاق النار متتالية في أيام قليلة وفي نفس المنطقة من شمال ستوكهولم، مؤشر لحملة تصفيات جديدة بين أفراد العصابات الإجرامية.
الناس في الواجهة.. خوف يومي وانعدام ثقة
أحد سكان فيكشوه، المنطقة التي شهدت حادثة فجر الأربعاء، قال لوسائل الإعلام إنه “سمع ست طلقات متتالية تبعتها أصوات هروب لشابين على دراجات كهربائية”. شهادته ليست مجرد وصف للحظة بل انعكاس لحالة من الخوف تسود الأحياء التي كانت تعتبر هادئة نسبياً.
امرأة تقطن على مقربة من موقع الجريمة علّقت بمرارة: “لم نعد نعرف إن كان أولادنا بأمان عند عودتهم من المدرسة أو حتى في طريقهم إلى محطة الباص”.
الحكومة السويدية، التي شددت خلال العامين الماضيين خطابها حول محاربة العصابات وتشديد العقوبات، تجد نفسها أمام اختبار جديد. فالتعهدات السياسية لم تُترجم بعد إلى إحساس بالأمان لدى المواطنين.
مصادر حكومية أكدت لوسائل الإعلام أن “الحكومة تتابع التطورات باهتمام وتدعم الشرطة بالموارد اللازمة”، لكنها لم تصدر بياناً واضحاً حول ما إذا كانت ترى هذه الحوادث مؤشراً على عودة موجة عنف جديدة.
تحليلات الخبراء: لماذا الآن؟
يرى محللون أن تراجع جرائم إطلاق النار في الأشهر الأخيرة ربما خلق “فراغ قوة” بين العصابات المتنافسة، وأن سلسلة الحوادث الأخيرة قد تكون جزءاً من صراع جديد على النفوذ.
خبير في شؤون الجريمة بجامعة أوبسالا قال: “هذه الحوادث تبدو كتصفية حسابات في بيئة إجرامية مأزومة. إذا استمرت، فقد نشهد بالفعل بداية موجة جديدة مشابهة لتلك التي شهدناها العام الماضي”.
بينما تتمسك الشرطة بمصطلحاتها القانونية، يعيش الناس حقيقة مختلفة: قلق متزايد، شوارع يسكنها الخوف، وأسئلة كبرى حول قدرة الدولة على استعادة السيطرة.
الحوادث الأخيرة قد لا تُصنّف رسمياً “موجة عنف”، لكنها بالنسبة للمواطنين تبدو كذلك. ومع تصاعد القلق الشعبي وتزايد الضغط على الحكومة، تبقى الإجابة مفتوحة: هل نحن أمام مجرد أحداث متفرقة، أم أن السويد تدخل مرحلة جديدة من حرب العصابات الدموية؟

