مقال رأي : كرس رئيس الولايات المتحدة الامريكية ترامب الجزء الاكبر من خطابه، الذي استغرق ساعة وعشرة دقائق، في المنتدى الاقتصادي في دافوس، بحضور مجموعة كبيرة من قادة الدول والحكومات والشخصيات السياسية وقطاع المال والاعمال والدبلوماسية والاكاديمية، وامام الكامرات والقنوات الاعلامية العالمية، لمخاطبة الرأي العام الامريكي بالدرجة الاولى. فهو كما في كل فرصة، ردد وأعاد التأكيد على قائمة نجاحاته وإنجازاته على كل الصعد؛ تقليص التضخم، تخفيص الاسعار بما فيها العقارات والفوائد على القروض، المزيد من الاستثمار وفرض الرسومات على التجارة مع الدول وبناء المصانع وخلق فرص عمل، محاربة الجريمة والحد من الهجرة وتجارة المخدرات وترحيل الآلاف من المهاجرين … الخ.
ترامب، الذي يرى العالم ويفهمه، بعقلية تاجر او مضارب في السوق، حاول ولو بشكل عابر، تسمية أو وصف منطلقات فكرية يبني عليها سياساته، وذلك من خلال التشديد على اختلافه ومعاداته لما سماه؛ اليسار الراديكالي المتعصب.
وفي مكان آخر حدد موقعه، سياسيا، من خلال وصف فشل اليسار الراديكالي، ليس في امريكا فحسب بل وفي اوربا، ومن الاشارة الى فشل اليمين في حزب الجمهوريين المحافظ. ترامب حاول، وان لم تكن المحاولة متكاملة وواضحة، ككل ما يقوله ويعمله ويتنباه كمشاريع تغيير، حاول ان يبرز فلسفة سياساته الأستراتيجة، جوهرها التركيز على الربح والاستفادة المالية من خلال التفاوض وفرض الشروط من منطلق القوة من جهة، وعدم الالتزام بالقيم والشرائع والتحالفات وتحديد علاقات أستراتيجية طويلة الامد من جهة اخرى.
فالاهم هو ضمان التفوق العسكري والاقتصادي وامن الولايات المتحدة، و توفير ما يجعل السيطرة على النصف الغربي من الكرة الارضية امرا واقعيا.
في خطابه، ركز ترامب على إبراز فوائد ونتائج سياساته الايجابية على طريق جعل امريكا عظيمة، ولانقاذها من الترهل والانحدار الذي عاشته في زمن بايدن النائم. وفي هذا الصدد ابرز توجهاته الناجحة لإعادة بناء القوة العسكرية الامريكية، وحكمة تدخله للحصول على نفط فنزويلا، وعقلانية الضغط على اوربا للاستثمار في الامن والدفاع والعسكرة ودفع المزيد من الاموال للحفاظ على الناتو، ومشروعية طلبه تسهيل الاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة الجليدية الغنية بالمعادن التي لايمكن ان يحميها إلا ترامب وامريكا.
ترامب ذَكَّر اوربا، لمرات عديدة، بأسلوب مهين على حد قول رئيس وزراء السويد، عندما اعلن بأن ليس لديه نية في استخدام القوة لضم غرينلاند، ان اوربا مدينة للولايات المتحدة التي دافعت عنها في الحرب الكونية الثانية وصرفت البلايين لحمايتها في قيادة حلف الناتو.
المثير في خطاب ترامب، فيما يتعلق بعلاقاته مع الصين وروسيا، انه استخدم لغة هادءة ،مبديا مرونة ملفتة، مؤكدا على حسن العلاقات مع شي جين بينغ وبوتين، مكتفيا بأهمية التعاون من اجل السلام والتنمية، بعيدا عن لغة التنافس وإثارة الخلافات وإبراز الاهداف البعيدة المدى.
يقينا، ان خطاب ترامب الذي جاء الى دافوس ليشكل مجلسا للسلام مواليا لقيادته، وان أعطى اشارة الى عدم اللجوء الى القوة للاستحواذ على غرينلاند، اقل ما يقال عنه، كان مبطا بالتهديد والوعيد، بنبرة متعالية واسلوب غير مألوف. خطابا مثيرا ومقلقا، لاسيما لأوربا، ولمستقبل العلاقات الدولية والتجارية والاستقرار و دور ومستقبل الامم المتحدة.

سامي المالح – ستوكهولم
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

