مقال رأي/ لم يكن المشهد في دافوس عادياً هذه المرة. لم تكن الكلمات مجرّد خطابات، ولا الرسائل محض دبلوماسية مغلّفة. ما قيل، وما لُمّح إليه، وما تُرك عمداً بلا إجابة، كلّه أوحى بأن أوروبا تقف عند حافة لحظة مفصلية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات كما لم يحدث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
حين يخرج رئيس الحكومة السويدية أولف كريسترسون ليصف الوضع الأمني في أوروبا بأنه «الأخطر منذ الحرب العالمية الثانية»، فذلك ليس توصيفاً إنشائياً ولا مبالغة سياسية. السويد، الدولة التي بنت سياستها الخارجية على الحذر والاتزان، لا تطلق مثل هذه التحذيرات إلا استناداً إلى قراءات عميقة لما هو قادم، لا لما هو ظاهر فقط.
في قلب هذا القلق الأوروبي يقف اسم واحد: دونالد ترامب.
من موسكو إلى واشنطن… تبدّل العدو
لسنوات، كانت روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين تمثلان “التهديد الوجودي” لأوروبا، بحسب قادة أوروبا.. اليوم، وعلى نحو غير مسبوق، باتت العواصم الأوروبية تنظر بقلق أكبر إلى حليفها التاريخي عبر الأطلسي. خطاب ترامب في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لم يكن مجرد استعراض قوة، بل إعلاناً صريحاً عن منطق جديد في إدارة العلاقات الدولية: منطق الصفقات، والضغط، وكسر الأعراف.
وصف كريسترسون خطاب ترامب بأنه «تهديدي ومهين»، وهو توصيف شاركه فيه عدد غير قليل من القادة الأوروبيين، وإن بصياغات أكثر حذراً. فالرئيس الأميركي قال بوضوح إنه لن يستخدم القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند، لكنه في المقابل أطلق جملة بدت كأنها توقيع مسبق على عقد إذعان: «يمكنكم أن تقولوا نعم، وسنكون ممتنين… ويمكنكم أن تقولوا لا، وسنتذكر ذلك».
في قاموس ترامب، هذه ليست عبارة عابرة، بل وعد بعقاب مؤجل.
غرينلاند… قطعة الجليد التي قد تُشعل القارة
غرينلاند ليست جزيرة نائية كما قد تبدو على الخريطة. إنها بوابة القطب الشمالي، ومستودع استراتيجي للموارد، ونقطة ارتكاز عسكرية حاسمة في صراع النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. وترامب يدرك ذلك جيداً.
التقارير التي نشرتها نيويورك تايمز، نقلاً عن مصادر مطلعة، تشير إلى أن الدنمارك تدرس فعلياً مسودة اتفاق قد تمنح الولايات المتحدة سيادة أو حقوقاً خاصة على «جيوب صغيرة» من الأراضي في غرينلاند، بما يشمل السماح ببناء قواعد عسكرية أميركية. الصحافة الألمانية ذهبت أبعد من ذلك، مشبّهة السيناريو المحتمل بالترتيب القائم بين بريطانيا وقبرص، حيث تحتفظ لندن بمناطق سيادية لأغراض عسكرية.
صحيح أن كوبنهاغن لم تؤكد هذه المعلومات رسمياً، لكن مجرد تسريبها في هذا التوقيت يكشف حجم الضغط الذي يُمارس خلف الكواليس.
الخطوة التالية: خنق بلا ضجيج
السؤال المركزي لم يعد: هل يريد ترامب غرينلاند؟ بل: كيف سيُجبر أوروبا على تسليمها دون إطلاق رصاصة واحدة؟
الخطوة القادمة لا تبدو عسكرية، بل اقتصادية وسياسية مركّبة. عقوبات غير معلنة، ضغط تجاري، تهديدات ضمنية بسحب المظلّة الأمنية الأميركية عن أوروبا الشمالية، وربما إعادة رسم الالتزامات داخل حلف شمال الأطلسي. ترامب يعرف أن أوروبا، المنهكة اقتصادياً والمنقسمة سياسياً، ليست في موقع يسمح لها بالمواجهة الطويلة.
إلى جانب ذلك، جاء إعلان ترامب عن إطلاق «مجلس السلام» الخاص به ليضيف طبقة جديدة من القلق. مجلس يترأسه بنفسه، ويمنح العضوية مقابل مساهمات مالية ضخمة، ويقول عنه علناً: «عندما يصبح هذا المجلس قائماً بالكامل، يمكننا أن نفعل تقريباً ما نريد».
الرسالة هنا واضحة: تجاوز الأمم المتحدة، وتهميش المؤسسات الدولية التقليدية، وبناء نظام موازٍ يتمحور حول واشنطن وحول ترامب شخصياً.
أوروبا بين الرفض العلني والاستسلام الصامت
ما يُقال في العلن من انتقادات أوروبية، وما يُكتب في البيانات الرسمية عن «السيادة» و«القانون الدولي»، قد لا يكون سوى واجهة خطابية لعملية تراجع أعمق تجري في الغرف المغلقة. فالتاريخ الحديث يعلّم أن الضغوط الأميركية نادراً ما تُواجَه برفض صلب عندما تتحول إلى تهديدات وجودية اقتصادية وأمنية.
هل ستصمد الدنمارك؟ هل ستقف أوروبا موحّدة؟ أم أن غرينلاند ستُقدَّم في النهاية كتنازل «اضطراري» لتجنّب ما هو أسوأ؟
حتى الآن، لا إجابة حاسمة. لكن ما هو مؤكد أن دونالد ترامب لا يلوّح بورقة لا ينوي لعبها، ولا يفتح معركة لا يرى نفسه منتصراً فيها. وبين قطعة جليد في أقصى الشمال، ومشروع هيمنة يعاد تشكيله، تقف أوروبا أمام مفترق طرق
إما أن تقول «لا» وتدفع الثمن، أو أن تقول «نعم» وتكتشف لاحقاً أن الثمن كان السيادة نفسها.

لينا نوري سياوش
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

