في رواية «120 يومًا في سدوم» لا يقدّم الماركيز دي ساد مجرد نص صادم، بل يبني نموذجًا مبكرًا لما يحدث حين تجتمع السلطة والمال والحصانة في مكان معزول عن الرقابة. بعد قرنين تقريبًا، تعود الفكرة نفسها إلى الواجهة مع ما كُشف عن جزيرة جيفري إبستين: فضاء مغلق، نخبة نافذة، وضحايا بلا صوت.
في رواية دي ساد، ينسحب أربعة رجال إلى قلعة معزولة عن العالم:
الدوق دو بلانجي (الأرستقراطي)،
الأسقف (رجل الدين)،
القاضي كورفال (رأس العدالة)،
ودورسيت المصرفي (رأس المال).
العزلة هنا ليست تفصيلًا سرديًا، بل شرطًا أساسيًا للجريمة: مكان خارج المجتمع، خارج القانون، وخارج الأخلاق.
المنطق نفسه يتكرر في جزيرة إبستين. جزيرة خاصة، طائرات خاصة، شبكة علاقات تمتد إلى السياسة والمال والإعلام. كما في الرواية، لم يكن الفاعل فردًا معزولًا، بل منظومة تحتمي ببريق النفوذ، حيث يصبح الإفلات من العقاب قاعدة لا استثناء.
دو ساد يعرّي في روايته فكرة خطيرة: حين تتجسد السلطة في أربع مؤسسات كبرى — السلطة، الدين، القضاء، والمال — وتتحالف بلا رادع، يصبح الإنسان الضعيف مجرد مادة قابلة للاستهلاك. هذا ما مثّله أبطال الرواية الأربعة، وهذا ما جعل ضحاياهم بلا أسماء أو تاريخ، تمامًا كما حدث في كثير من شهادات ضحايا إبستين، حيث طُمست الهويات طويلًا، وشُكّك في الروايات، وحُميت الأسماء الكبيرة.

الفرق الجوهري بين الرواية والواقع ليس في البنية، بل في اللغة. دي ساد كان فاضحًا وصريحًا إلى حد التطرف، بينما الواقع الحديث يختبئ خلف عقود قانونية، وصمت إعلامي، وتسويات مالية. لكن الجوهر واحد: عزلة + سلطة + صمت = جريمة مستمرة.
ما يجعل المقارنة صادمة هو أن رواية كُتبت في القرن الثامن عشر بدت كتحذير مبكر من عالم لم نتجاوزه بعد. قلعة سدوم لم تختفِ؛ لقد تغيّر شكلها فقط. صارت جزيرة، أو طائرة خاصة، أو شبكة علاقات مغلقة.
رواية ( 120 يوما في سدوم ) هي رواية إباحية للكاتب الفرنسي ماركيز دي ساد ، و يعود مصطلح ” السادية” ( التلذذ بتعذيب الآخرين) لإسمه. وتحكي قصة أربعة أثرياء خليعين يقومون بتجربة أقصى درجات الإشباع الجنسي في العربدة. وهم يقومون بذلك بأن يغلقوا على أنفسهم لمدة أربعة أشهر في قلعة منيعة محاط بالغابات في سان مارتن دي بيلفيل في فرنسا، مع ست وأربعين ضحية، معظمهم بنات و أولاد قاصرين، و معهم أربعة مديرات لبيوت دعارة . و قد كتبها دي ساد في عام 1785.
في النهاية، لا تسأل رواية دي ساد: لماذا يفعلون ذلك؟
بل تسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا: كيف سمح لهم العالم أن يفعلوا ذلك طويلًا؟
وهو السؤال نفسه الذي ما زال معلّقًا فوق جزيرة إبستين… بلا إجابة مكتملة حتى اليوم.

الكاتب الصحفي خالد ابو الرز – السويد

