رأي/ مع اقتراب أي انتخابات في السويد، يتحوّل فيسبوك إلى ساحةٍ مزدحمة بالمنشورات التي تدّعي كشف “الحقائق” عن المهاجرين. بعضها يبدو منطقيًا في البداية، لكنه يخفي وراءه نوايا خبيثة هدفها زرع الخوف والكراهية بين الناس.
في هذا المقال، قررتُ أن أتحقق بنفسي من أحد هذه المزاعم المنتشرة، وأقدّم للقارئ ما توصلت إليه بالاعتماد على مصادر رسمية وبيانات حقيقية، دون انحياز أو تحيّز لأي جهة أو ديانة.
التحقيق في الادعاء
من المعلوم أن الانتخابات البرلمانية المقبلة في السويد ستُجرى في سبتمبر/أيلول 2026. ومع اقترابها، بَدَأَتْ تنتشر منشورات على فيسبوك تدفع الرأي العام باتجاه أحزاب مناهضة للهجرة، خاصة تلك التي تتبنى خطابًا عدائيًا ضد المسلمين.
إحدى السيدات السويديات نشرت على صفحتها منشورًا تقول فيه: “إذا دعوتَ شخصا على العشاء، وشكركَ بضرب أطفالك، واغتصاب زوجتك، وسرقة سيارتك، فهل ترغب بدعوة المزيد؟ كلا، تماما”.
يبدو هذا المنشور في ظاهره منطيًا، لكنه سرعان ما يتحوّل في التعليقات إلى منصة لكراهية المهاجرين، خصوصا المسلمين.
وقد ردّت سيدة أخرى بتعليق مثير وخطير تقول فيه: “في الفترة من 2015 إلى 2023 ارتكب المسلمون 54,900 جريمة اغتصاب امرأة وطفل في السويد”.
هذا الرقم الضخم أثار فضولي. فهل يعقل أن يكون صحيحا؟ قررتُ التحقق بنفسي من خلال موقع رسمي سويدي ومن خلال أداة ذكاء اصطناعي موثوقة.
التحقق من المصادر
المجلس السويدي للوقاية من الجريمة – Brå
زرتُ الموقع الرسمي bra.se/amnen/sexualbrott، حيث يوضح أن “الجرائم الجنسية” تشمل مجموعة واسعة من الأفعال مثل الاغتصاب، والتحرش، والاستغلال الجنسي، وشراء الخدمات الجنسية، وغير ذلك.
ويشير الموقع إلى أن قانون “الموافقة” الذي دخل حيّز التنفيذ في يوليو/تموز 2018 وسّع تعريف الاغتصاب ليشمل الحالات التي لا تكون فيها العلاقة الجنسية طوعية تمامًا، حتى دون وجود عنف أو تهديد.
هذا يعني أن عدد البلاغات يمكن أن يرتفع لأسباب قانونية وتعريفية، وليس بالضرورة لأن الجرائم الفعلية ازدادت.
بيانات رسمية ورأي تقني
أحد برامج الذكاء الاصطناعي قدّم لي رسما بيانيا يستند إلى بيانات Brå، يوضح أن عدد بلاغات الاغتصاب ارتفع تدريجيا من حوالي 5800 بلاغ في عام 2015 إلى نحو 9300 بلاغ في عام 2023.
أي أن الزيادة كانت تدريجية ومعتدلة، وليست انفجارًا في الأرقام كما تروّج بعض المنشورات.

كما أضاف البرنامج تعليقًا مهما: “الادعاء بأن المسلمين ارتكبوا 54,900 جريمة اغتصاب في السويد بين عامي 2015 و2023 لا أساس له من الصحة.
لا تُسجّل السلطات السويدية ديانة مرتكبي الجرائم.
لا توجد دراسات علمية تثبت علاقة بين الدين ومعدل الجرائم.”
الخلاصة:
الإحصاءات الرسمية لا تذكر أي شيء عن ديانة الجناة.
ربط الجريمة بالدين أمر يفتقر لأي أساس قانوني أو علمي.
الأرقام التي تُتداول على فيسبوك ليست سوى تضليل متعمد يهدف إلى بث الكراهية.
الجريمة لا تنتمي إلى أي دين و لا إلى أية مجموعة عرقية إنما تنتمي إلى ذات الشخص الذي قام بها و القانون السويدي كفيل بمحاسبته.
الخاتمة
بدأت القصة بمنشور عابر على فيسبوك، لكنها انتهت بكشف طريقة خطيرة يُمكن أن تُستخدم بها الإشاعات لتقسيم المجتمع.
الأرقام قد تبدو مقنعة، لكنها قد تُستخدم كسلاح ضد الحقيقة. لذلك، قبل أن نشارك أي منشور أو تعليق، علينا أن نسأل أنفسنا: هل هذا الكلام صحيح؟ هل يمكن التحقق منه؟
ما يحتاجه مجتمعنا اليوم ليس المزيد من الخوف، بل مزيدًا من الوعي والصدق في التعامل مع المعلومات. فالحقيقة، مهما كانت بسيطة، أقوى من ألف إشاعة.
بقلم: المهندس زياد القوصيني
مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها وليس عن SWED 24

