مقال رأي/ فاروق الدباغ: في تقرير للصحفية إيناس حمدان نشرته Expressen، كُشف عن خطبة ألقاها الإمام Moustafa Alsayed داخل مسجد في كريستيانستاد، حملت مضمونًا صادمًا: دعوة صريحة إلى “تعليم الأجيال القادمة الرغبة في الانتقام”، وتفضيل “الحقد المنظم” على مجرد الغضب. هذا ليس انزلاقًا لغويًا… بل خطاب أيديولوجي مكتمل الأركان.
حين يُقال أمام جمهور: “الأعداء لا ينتظرون غضبكم، بل ينتظرون انتقامكم”، فنحن لا نتحدث عن رأي ديني، بل عن تحريض مباشر. وعندما تُربط الهوية الدينية بواجب “الكراهية”، فإننا أمام إعادة تعريف خطيرة للدين كأداة تعبئة وصراع، لا كمنظومة قيم روحية.
السؤال الأخطر ليس: ماذا قال الإمام؟ بل: لماذا لا يُقابَل هذا الخطاب برفض واسع من داخل المجتمعات المسلمة نفسها؟
هل كل المسلمين في السويد يوافقون على هذا الطرح؟ بالتأكيد لا.
لكن الواقع يشير إلى أن الأصوات المعارضة قليلة، خافتة، وأحيانًا غائبة تمامًا.
السبب لا يعود إلى القناعة… بل إلى بنية نفوذ.
على مدى سنوات، نجحت شبكات مرتبطة بأيديولوجيات مثل الإخوان المسلمون، وبمقاربات موازية داخل الفكر الشيعي المرتبط بـ ولاية الفقيه، في بناء حضور داخل أوروبا ليس عبر السياسة المباشرة، بل عبر المجتمع المدني: جمعيات، مدارس خاصة، منصات ثقافية، وشبكات علاقات.
في السويد، لم يكن هذا الحضور صاخبًا… بل هادئًا، تراكميًا، وذكيًا.
ومع غياب رؤية سياسية حازمة لفهم هذا التغلغل، تحوّل جزء من هذه البنى إلى ما يشبه “حارس البوابة” داخل مجتمعات المهاجرين.
الرسالة غير المعلنة واضحة: إما أن تكون معنا… أو يتم عزلك. هذا ما يفسر الصمت.
الكثير من المهاجرين اختاروا ببساطة الانسحاب: العمل، الأسرة، الاستقرار. لكن الفراغ الذي تركوه لم يبقَ فارغًا. ملأه خطاب متشدد يستهدف الفئات الأضعف: شباب فشلوا في الاندماج، أو تعثروا اجتماعيًا، أو سقطوا في الإدمان. هؤلاء لا يُقدَّم لهم أمل… بل يُقدَّم لهم “عدو”.
ومن هنا تبدأ الدائرة الخطيرة: من خطاب الكراهية… إلى الفعل.
حالات سابقة في أوروبا منها منفذ هجوم هجوم بروكسل 2023 أظهرت كيف يمكن أن يتحول هذا الخطاب إلى عنف فعلي، حين يُعاد تعريف العالم بمنطق “نحن ضدهم”.
الأخطر أن النفوذ لا يتوقف عند الخطاب.
هناك مؤشرات متكررة تناقشها تقارير إعلامية سويدية عن تأثير بعض هذه الشبكات على توجهات الناخبين من أصول مهاجرة، وعلى تشكيل الرأي العام داخل هذه المجتمعات، بل وحتى على الوصول غير المباشر إلى مؤسسات مثل Arbetsförmedlingen وFörsäkringskassan عبر شبكات علاقات وتأثير. قد لا يكون هذا اختراقًا رسميًا… لكنه نفوذ اجتماعي فعلي. وفي المقابل، ماذا يحدث لمن يواجه هذا الخطاب؟ غالبًا ما يتحول إلى هدف.
صحفيون، كتاب، وأصوات ناقدة ومنهم إيناس حمدان يتعرضون لحملات تشهير، ومقاطعة اجتماعية، وتهديدات تُدار غالبًا خارج الفضاء السويدي، بلغة أخرى، وبمنصات موازية. المشكلة ليست فقط في التهديد… بل في غياب الحماية الكافية. حين تُغلق قضايا تهديد بسبب “نقص الأدلة”، رغم وجود مواد صوتية أو مرئية، فإن الرسالة التي تصل للضحية واضحة: أنت وحدك. وهنا تكمن المفارقة.
السويد بدافع من قيم الانفتاح تبنّت سياسة يمكن وصفها بـ”الثقة العالية”. لكن هذه الثقة، حين لا تُقابل بوعي أمني وفكري، تتحول إلى ما يسميه البعض اليوم: naivitet. المطلوب ليس شيطنة مجتمع… ولا استهداف دين. بل العكس تمامًا. المطلوب هو: حماية الغالبية الصامتة من المسلمين الذين يرفضون هذا الخطاب.
تجريم واضح للتحريض، والتشهير، والدعم الأيديولوجي للعنف. والأهم: كسر احتكار تمثيل المهاجرين من قبل أصوات لا تمثلهم. لأن المعركة الحقيقية ليست بين “السويد” و”المسلمين”… بل داخل المجتمعات نفسها: بين من يريد العيش… ومن يستثمر في الكراهية.
وحين يتحول المنبر إلى منصة تعبئة للانتقام، فإن الصمت لم يعد حيادًا… بل خطرًا.
فاروق الدباغ
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

