مقال رأي/ فاروق الدباغ: حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمون يقف اليوم أمام مرآة لا تعكس صورته وحده، بل تعكس سؤالاً أعمق بكثير: ماذا يحدث عندما تتحول الدعوة إلى سلطة، والسلطة إلى رغبة، والرغبة إلى قناع أخلاقي يُخفي ما لا يُقال؟
قضية طارق رمضان ليست مجرد ملف قضائي، ولا مجرد صدمة إعلامية عابرة، بل هي لحظة كاشفة لبنية نفسية واجتماعية تتكرر عبر التاريخ. فالرجل الذي صعد خطابه على مفاهيم الأخلاق، والإصلاح، والهوية، وجد نفسه متهمًا بأفعال تقف على النقيض من كل ما كان يدعو إليه. هنا لا يكون السؤال: هل أخطأ فرد؟ بل: كيف يتشكل هذا التناقض أصلاً؟
في علم النفس، هناك ما يُعرف بـ ازدواجية الذات الأخلاقية. الإنسان الذي يبني هويته على كونه “حارس القيم” يصبح، مع الوقت، أكثر عرضة للانفصال عن ذاته الحقيقية. لأنه لا يعود يعيش نفسه كما هي، بل كما يجب أن يراها الآخرون. ومع هذا الانفصال، تبدأ منطقة الظل بالنمو. تلك المنطقة التي تحدث عنها كارل يونغ، حيث تتراكم الرغبات المكبوتة، والاندفاعات غير المعترف بها، والاحتياجات التي تم قمعها باسم المثال الأعلى.
المشكلة لا تبدأ من الرغبة، بل من إنكارها. حين يتحول الداعية إلى رمز، يُسلب منه حق الضعف البشري. يصبح مطلوبًا منه أن يكون نقيًا بالكامل، فوق الشبهات، فوق الغرائز. لكن الطبيعة البشرية لا تختفي، بل تتخفى. وكل ما يتم كبته في العلن، يبحث عن منفذ في الخفاء.
وهنا تتشكل المعادلة الخطرة: سلطة أخلاقية + قمع داخلي = انفجار سلوكي.
بعض الدعاة لا يسقطون لأنهم “فاسدون” منذ البداية، بل لأنهم بنوا لأنفسهم صورة لا يستطيعون العيش داخلها. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الصورة إلى عبء، ثم إلى قفص، ثم إلى كذبة كبيرة. وعندما تبدأ الشقوق بالظهور، لا تكون مجرد أخطاء صغيرة، بل انحدارًا حادًا نحو سلوكيات متطرفة في إشباع ما تم حرمانه طويلًا: نزعات جنسية غير منضبطة، أو طمع مادي، أو تعطش للسيطرة.
المفارقة القاسية أن الخطاب الأخلاقي نفسه قد يتحول إلى أداة تبرير داخلية. فالعقل البشري بارع في خلق الأعذار حين يمتلك السلطة. وكلما زادت المكانة، زادت القدرة على إعادة تفسير الواقع بما يخدم الرغبة. وهنا لا يعود الشخص يرى نفسه مخطئًا، بل “مستحقًا”، أو “مُساء فهمه”، أو حتى “مستهدفًا”.
المجتمع بدوره شريك في هذه الصناعة. حين يضع الأفراد في مرتبة القداسة، فإنه يسحب منهم إنسانيتهم، ثم يُصدم حين تظهر هذه الإنسانية بشكل مشوه. نحن لا نصنع قدوات، بل نصنع أصنامًا، ثم ننهار عندما تتكسر.
القضية ليست في دين معين، ولا في مدرسة فكرية بعينها، بل في الطريقة التي تُدار بها السلطة الأخلاقية. فكل خطاب لا يسمح بالاعتراف بالضعف، يتحول مع الوقت إلى بيئة خصبة للنفاق. وكل شخصية تُبنى على الكمال، تحمل في داخلها بذور الانهيار.
ما نراه اليوم ليس سقوط رجل، بل انكشاف نمط. نمط يتكرر حين تتحول الدعوة من رحلة وعي إلى منصة نفوذ، ومن دعوة إلى القيم إلى احتكار لها. وعندها، لا يعود الداعية مرشدًا، بل يصبح سجين صورته… إلى أن تنفجر الحقيقة.
وفي تلك اللحظة، لا يسقط القناع فقط… بل يسقط معه وهم طويل صنعه الجميع.
فاروق الدباغ – السويد
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

