مقال رأي/ الشرق الأوسط لا يعاني من صراعات هويات بقدر ما يعاني من نظام إقليمي يكافئ العنف العقائدي ويعاقب التعدد. في هذا النظام يسمح للأقليات بالبقاء فقط ما دامت ضعيفة صامتة وغير فاعلة سياسيا. وحين تحاول جماعة أقلوية تنظيم نفسها أو البحث عن حماية خارج المركز المنهار تتهم فورا بالخيانة، وكأن حق الحياة مشروط بموافقة الأغلبية المؤدلجة. اذا ان كذبة العمالة سلاح الأغلبية لإدامة الهيمنة.
مثلا في الحرب الأهلية اللبنانية لم يكن التحالف بين بشير الجميل وإسرائيل حدث شاذ بل نتيجة منطقية لثلاث حقائق. الدولة اللبنانية انهارت والسلاح بات حكرا على قوى غير مسيحية معظمها ذات مرجعية قومية أو إسلامية، والدعم العربي انحاز بوضوح إلى هذه القوى ماليا وإعلاميا وعسكريا. رغم ذلك لم تناقش هذه الوقائع، تم اختزال كل شيء في تهمة واحدة وهي العمالة. هذه التهمة ليست توصيف سياسي بل أداة ضبط. أي من يخرج عن خط الأغلبية يجرد أخلاقيا تمهيدا لتجريده ماديا.
اما عن دروز سوريا اليوم فبكل بساطة، حين يتكرر السيناريو بلا أقنعة. حيث ان ما يواجهه الدروز اليوم في سوريا هو النسخة الأوضح من هذا النموذج: لا دولة حقيقية، لا عقد اجتماعي، لا حماية. جماعات إسلامية مسلحة تعلن بوضوح أن الدروز خارج الجماعة. ورغم ذلك، يطلب منهم عدم التسلح وعدم طلب حماية خارجية وحتى عدم التفكير بالاستقلال وعدم الاعتراض ايضا.
بكلمات أخرى يطلب منهم انتظار مصيرهم التي سيصنعه من يسمون انفسهم بالأكثرية.
الحقيقة غير المريحة ان الإسلام السياسي هو التهديد البنيوي
فإن أي مقاربة جادة يجب أن تعترف بحقيقة يتجنبها الخطاب الدبلوماسي. فالإسلام السياسي بكل أطيافه المسلحة هو الخطر الوجودي الأول على الأقليات في المنطقة، ليس لأنه يمثل المسلمين بل لأنه يرفض التعدد كمبدأ. يرى الدولة أداة عقائدية، ويعتبر الأقليات مشكلة مؤجلة يجب حلها بالقوة أو الإخضاع. من العراق إلى سوريا ومن السودان إلى اليمن النتيجة واحدة: حين تصعد هذه القوى تمحى الأقليات أو تدفع إلى الهجرة أو العسكرة.
واذا تحدثنا عن الرحلة التي نستطيع تسميتها من الوطنية إلى النجاة او انقلاب المعادلة الأخلاقية، هنا نجد ان الدروز مثلا تاريخيا كانوا من أكثر الجماعات التزاما بمفهوم الدولة. حيث قادوا مقاومة العثمانيين وواجهوا الانتداب الفرنسي، اندمجوا في الدولة السورية دون مطالب انفصالية.
لكن الوطنية تفقد معناها حين تتحول الدولة إلى غطاء لعنف أيديولوجي. في هذه اللحظة الاستقلال الذاتي لا يصبح مشروع سياسي فقط بل ضرورة وجودية. من يرفض هذا المنطق عليه أن يجيب بوضوح: ما البديل الواقعي الذي يضمن بقاء الدروز أحياء وآمنين؟ الصمت هنا ليس حيادا بل تواطؤ.
اليوم ان البيئة الدولية تغيرت ومن لا يقرأها سيسحق. النظام الدولي لم يعد يقدس وحدة الدول إذا كانت هذه الوحدة تنتج الإرهاب وتصدر اللاجئين وتخلق فراغات أمنية. فمثلا أوروبا اليوم تبحث عن الاستقرار لا الشعارات، وتدعم فعليا أي كيان محلي قادر على ضبط الأرض.
أما الخليج فإنه يخوض صراعا مفتوحا مع الإسلام السياسي ويعلم أن الأقليات غير المؤدلجة ليست تهديدا. وإسرائيل ترى بوضوح أن محيط محلي مستقر ومعادي للجهادية أفضل من دولة فاشلة على حدودها.
اذا الخلاصة الصادمة من لا يحمي نفسه يمحى. الدرس الذي لم يستوعب بعد. المسيحيون في لبنان بقوا لأنهم قاتلوا. الكرد بقوا لأنهم فرضوا أمر واقع. وكل أقلية لم تفعل ذلك اختفت.
الدروز اليوم أمام لحظة تاريخية مشابهة، وأي خطاب يطالبهم بالتضحية بأنفسهم باسم وحدة سوريا التي هم قبل غيرهم صنعوا حدودها وقادوا معركة توحيدها سابقا هو خطاب غير أخلاقي وغير واقعي وخطير.
وبالنهاية الخلاصة لكل ما ورد نستطيع تسميته بإعلان موقف لا اعتذار. فدعم الدروز اليوم ليس مسألة تعاطف بل خيار استراتيجي عقلاني. وفي شرق أوسط يتفكك الحياد تجاه إبادة محتملة ليس حكمة بل جبن سياسي. من يريد شرق أوسط مستقر عليه أن يتوقف عن ابتزاز الأقليات أخلاقيا وأن يعترف بحقها الكامل في الحماية وتقرير المصير وبناء مستقبل خارج مشاريع الإلغاء.
تذكروا التاريخ لا يرحم من يطالب الضحية بالموت كي لا تربك القاتل.

بقلم: أيسر الولي / المنظمة الدرزية
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

