تزامناً مع افتتاح معرض الكتاب العربي في ستوكهولم بدورته الخامسة، هذا حوار مع مدير دار ميزر للنشر ورئيس جمعية الناشرين العرب في السويد الدكتور إبراهيم ميزر الخميسي، حول دار ميزر وأهمية تأسيس الجمعية في السويد، ودورها في رفد ثقافات الشعوب الأوربية، بإبداعات الكتّاب العرب وفي مختلف الحقول الأدبية والفنية.
متى تأسست دار ميزر للطباعة والنشر، وكيف تولدت لديكم هذه الفكرة، وهل رافقت عملكم صعوبات جدية، وما هي آخر إصدارات الدار وآفاق تطورها؟
بالنسبة لدار ميزر للنشر والتوزيع فقد تأسست عام 2011 بمدينة مالمو في جنوب السويد. أما الفكرة فقد جاءت بعد بلوغي سن التقاعد، وبعد سنين طويلة من العمل كأستاذ جامعي وباحث علمي في مجال الفيزياء النظرية في عدة جامعات ومعاهد، إضافة إلى أعمال أخرى في السويد، وجدت نفسي أفكّر في عمل شيء مفيد وممتع، فلم أجد أفضل من هواياتي أيام الشباب، وكان ذلك عالم الكتب بكل ما فيه من سحر وجاذبية، فاهتديت إلى تأسيس دار ميزر. ولم يكن الأمر سهلاً في السنين الأولى، فعلى مدى عام كامل لم أصدر سوى كتابٍ واحدٍ وكان من تأليفي. نصحني البعض من ان كتاباً من ذلك النوع سيكون من السهل تسويقه، وبالتالي ينبغي طباعة أعداد كبيرة منه، خاصة وان الكتاب كان عن عالم عراقي جليل ورئيس لجامعة بغداد، كان له الدور الريادي في إرساء الأسس الصحيحة والواعدة لعملية التربية والتعليم في العراق، كما ان العراقيين يجلونه ويقدرونه عالياً. لذلك طبعت 600 كتاب، ولم يجرِ تسويق سوى 200 كتاب منها! ومن الصعوبات الأخرى التي حدثت في الكتاب الثاني، فقد وصلني من المطبعة مشفراً ولم يحتوِ على أي كلمة عربية! ومن مشاكل العمل في هذه المهنة حدث ان أصدرت دارنا كتاباً ممتعاً جداً لسيدة كان زوجها يُشاركها التأليف، وكان التفاهم والتواصل يتم عن طريقها، ولكن في يوم صدور الكتاب اتصل بي زوجها وطلب مني عدم تسويق الكتاب لأنه لم يكن موافقاً على النشر وان الدار لم تسأله رأيه، وجدت ان كلامه منطقي، فاضطررت إلى اتلاف جميع الأعداد وتحمل خسارة ذلك.
بيد ان الأمور بدأت تتغير شيئاً فشيئاً، فالخبرة تتراكم، والعلاقات تتشعب، ونوعية الكتب الصادرة يزداد تسويقها، والعمل يتطور في كل المجالات، خاصة العلاقة مع مبدعي الثقافة من المؤلفات والمؤلفين، التسويق، تنوع إمكانيات النشر، الاشتراك في معارض الكتب داخل وخارج السويد، الاهتمام بالنوعية والجودة العالية سواء في الجنس الأدبي أو اخراج وإنتاج الكتاب.
الآن برزت صعوبة أخرى وهي علينا أن نعمل ساعات طوال في اليوم لكي نستطيع الإيفاء بالتزاماتنا… ويصاحب ذلك شعور بالارتياح والسعادة لأن دارنا تقوم بهذا العمل الثقافي المهم والمفيد، خاصة للجالية العربية في أوروبا.
ومن بين آخر إصدارات الدار في الأسابيع الماضية كان رواية (ملائكة الجنوب) للكاتب العراقي الحائز على جوائز عربية وعالمية (نجم والي)، ورواية (غبار الخيول) التي خصّ بها دارنا الروائي والشاعر والناقد العراقي المعروف وصاحب الجوائز العربية المرموقة (علي لفتة سعيد)، فهذه الرواية تُنشر لأول مرة من قبل دارنا، أي لم يسبق ان نشرتها أي دار أخرى. كذلك رواية الكاتبة العراقية المتألقة (ساهرة سعيد) والموسومة (امرأة من رماد)، وايضاً رواية (كَمَن يَنتعلُ قبراً) للشاعرة والكاتبة السورية المغتربة سوزان إبراهيم حيث تروي المأساة السورية بطريقة كأن القارئ هو الذي يعيشها، ولا غرابة فهي صاحبة تجربة ابداعية ثرّة في الرواية والشعر.
وتعمل دارنا في هذه الأيام على إصدارات مهمة ومتنوعة، ومنها ما يُطرح لأول مرة، إذ ستكون مفاجأة طيبة للقراء الأعزاء. سأتحدث هنا عن رواية ستصدر قريباً للكاتب والشاعر والإعلامي (محمد المنصور) تحت عنوان (طريقُ الحِنّاء الأخضر)، وهي في الحقيقة ملحمة أدبية تعنى بتأثيرات الحربين العالميتين وويلاتهما وانعكاساتهما على سكان قرية (المنارة) المنسية في جنوب البصرة، وما تلتها من أحداث عظيمة غيّرت وجه العراق وفتحت نافذة للأمل، وأعقبتها أحداثٌ أخرى تمثلت بمجازر وحشية يندى لها جبين الإنسانية… الرواية التي سيتذكرها طويلاً كلّ من يقرأها!
كم عدد دور النشر المنضوية تحت لواء جمعية الناشرين العرب في السويد، وهل أقامت الجمعية أو شاركت بمعارض للكتاب في الدول الاسكندينافية والبلدان الأوربية الأخرى؟
تأسست جمعية الناشرين العرب في السويد في الثالث من يونيو (حزيران) 2024 بمبادرة من دار ميزر وبتأييد الفكرة من قبل دار سامح ودار صفحات ودار لاماسو. انضمت الى الجمعية لاحقاً دار كومو ودار زغلول ودار نورس. من أهم أهداف جمعيتنا تنسيق وتعزيز العلاقة بين دور النشر هذه لما يسهم في تطوير عمل الجمعية الهادف إلى انتشار وتفاعل الثقافتين العربية والأوروبية. وذلك عن طريق نشر الكتاب العربي الجاد والرصين وجعله في متناول أيادي القراء من بنات وأبناء الجالية العربية في السويد، وتشجيع الترجمة، خاصة من السويدية الى العربية وبالعكس ايضاً.
تقيم جمعيتنا معارض للكتاب العربي في داخل السويد وخارجها، فقد شاركت في معرض إسطنبول ومعرض برلين، كما شارك بعض أعضاء جمعيتنا في معظم معرض الكتب في البلدان العربية، كمعرض بغداد والرياض والقاهرة والشارقة وفي تونس والمغرب وغيرها.
بأية صفة تشارك جمعية الناشرين العرب في السويد، في معرض الكتاب العربي في ستوكهولم، الذي تقيمه (صفحات) وللدورة الخامسة على التوالي؟
بخصوص معرض الكتاب العربي في ستوكهولم بدورته الخامسة، فإن دار صفحات هي التي تقيمه، وهي دار نشر معروفة وعريقة، ولكن بالتعاون مع جمعيتنا. يتجلى هذا التعاون في مساهمة جمعيتنا في الجانب الثقافي، مثل مناسبات توقيع المؤلفين لكتبهم التي صدرت حديثاً، وكذلك المحاضرات الثقافية والتنسيق المشترك فيما يخص فعاليات المعرض الأخرى العديدة، خاصة هذا العام حيث الاهتمام كبيراً والفعاليات متنوعة وشائقة، ووفرة مفرحة من الكتب الجديدة التي تصدر لأول مرة، إضافة إلى مشاركة أوسع سواء من شخصيات ثقافية وأدبية وفنية معروفة، أو من السلك الدبلوماسي العربي في السويد.
كيف تنظرون إلى إقبال الجاليات العربية في دول الاغتراب، على الكتاب الورقي في ظل انتشار ظاهرة الكتاب الإلكتروني؟
لاحظت اقبالاً كبيراً للجالية العربية على الكتاب العربي أيام الدورة الرابعة لمعرض الكتاب العربي في ستوكهولم الذي أقيم العام الماضي. كما شاهدت ذلك في معارض أخرى. شخصياً أنظر إلى ان الكتابين الورقي والالكتروني يُكملان بعضهما الآخر، ولكل مميزاته، وخصائصه، ومريديه. فالكتاب الورقي أكثر “دفئاً” و”حميمية” من الكتاب الإلكتروني، إذ يمنح القارئ تجربة حسية من خلال ملمس الورق ورائحته. كما يُستخدم الكتاب الورقي في الهدايا، ويُعرض في المكتبات الشخصية والمعارض، مما يُعزز قيمته المعنوية. ويبقى الكتاب الالكتروني مصدراً للقراءة السريعة والحصول على مراجع عديدة في جهاز واحد، إضافة إلى سهولة التنقل مع هذا الجهاز الذي يمكن منه الحصول على مختلف المعلومات والكتب، خاصة في المجال العلمي. وكثير من دور النشر اليوم تصدر منشوراتها ورقياً والكترونياً. وكثير من الاحصائيات تؤكد على ان نسبة اقتناء أو قراءة الكتاب الورقي أعلى بكثير منه للإلكتروني، وبالنسبة للأطفال تزداد النسبة بشكل أكبر بكثير؛ إذ تُشير الاحصائيات إلى ان 70% من الأطفال يُفضلون الكتاب الورقي للقراءة الترفيهية، مقابل 30% للكتاب الالكتروني.
هل تتفقون مع من يقول بأننا عدنا إلى زمن القصة والرواية، أم مازال الديوان الشعري يحتفظ بتأثيره ويتسيد المشهد؟
نعم، يمكن القول إننا في “عصر الرواية” من حيث الانتشار والتأثير الإعلامي والجماهيري، لكن الشعر ما زال يحتفظ بمكانته الرمزية العميقة في الوجدان العربي، وإن تغيّر شكله وطريقة تلقيه. فالرواية تتصدر المشهد، لكن الشعر لم يختفِ؛ بل يتكيّف مع الزمن.

