مقال رأي/ تعيش القارة الإفريقية اليوم لحظة مفصلية في تاريخها السياسي والدبلوماسي، بعد أن توالت الاعترافات الدولية بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. فقد أكدت دول وازنة في المجتمع الدولي — من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإسبانيا إلى بريطانيا والبرتغال وبلجيكا وغيرها عبر القارات — دعمها الواضح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل واقعي ونهائي لهذا النزاع الإقليمي.
وتُوّج هذا المسار الدبلوماسي بقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر الماضي، الذي رسّخ الاعتراف بمغربية الصحراء في إطار حل سياسي يقوم على الواقعية والتوافق. أمام هذا التحول الكبير، يبرز سؤال ملح داخل أروقة الاتحاد الإفريقي:
هل ما زال من المقبول استمرار عضوية كيان لا تتوفر فيه مقومات الدولة ولا يحظى بأي اعتراف أممي؟
عبء داخل المنظمة الإفريقية
وجود ما يُسمى بـ”الجمهورية الصحراوية” داخل الاتحاد الإفريقي يمثل اليوم تناقضًا صارخًا مع مبادئ المنظمة نفسها. فهذه الجبهة ليست دولة قائمة بالمعنى القانوني، بل مجرد حركة انفصالية تتخذ من أراضي دولة عضو (الجزائر) قاعدة لها في مواجهة دولة عضو أخرى (المغرب).
إنه وضع شاذ يجعل الاتحاد في مواجهة مباشرة مع ميثاقه، الذي ينص صراحة على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
تناقض مع الشرعية الدولية
العضوية الممنوحة لكيان لا وجود له في الأمم المتحدة تضع الاتحاد الإفريقي في موقع يتنافى مع الشرعية الدولية. فكيف يمكن لمنظمة إقليمية كبرى أن تضم في صفوفها كيانا لا تعترف به الأمم المتحدة نفسها؟
وهذا التناقض يظهر بوضوح خلال القمم المشتركة بين إفريقيا وشركائها — كالقمة الصينية الإفريقية أو اليابانية أو الأمريكية — حيث ترفض هذه الدول التعامل مع ممثلي البوليساريو أو استضافتهم، لأنها لا تتعامل إلا مع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
إحراج متكرر وتنافر داخلي
العديد من المواقف السابقة كشفت عمق الإحراج الذي يسببه هذا الكيان للاتحاد. فكلما حاولت الجزائر فرض مشاركة البوليساريو في لقاء دولي، سارعت الدول المنظمة إلى التنصل من الدعوة، كما حدث في قمة طوكيو. هذا الوضع يُظهر أن استمرار الكيان داخل المنظمة لا يضيف شيئًا، بل يُربك علاقات إفريقيا مع شركائها الاقتصاديين والسياسيين.
تناقضات صارخة مع أهداف الاتحاد
كيف يمكن لكيان يرفع شعار الحرب ويهدد بالسلاح أن يشارك في مبادرات الاتحاد حول “إسكات البنادق” أو السلم والأمن؟
وجود البوليساريو يناقض تمامًا جوهر العمل الإفريقي المشترك، بل ويُفرغ العديد من المبادرات من مضمونها.
تراجع الاعتراف الإفريقي
لم يعد كيان البوليساريو يحظى إلا بدعم قلة قليلة من الدول، لا تتجاوز 16 دولة، مقابل 38 دولة إفريقية سحبت أو جمدت اعترافها به. ومع صدور قرار مجلس الأمن 2797، فقد الكيان آخر مبررات وجوده داخل الاتحاد، إذ لم يعد ثمة سند قانوني أو سياسي لاستمرار هذه العضوية الشكلية.
نحو تصحيح تاريخي
اليوم، لم يعد أمام الاتحاد الإفريقي سوى أحد خيارين:
إما أن يظل حبيس أخطاء الماضي، أو أن يُقدم على خطوة شجاعة لتصحيح المسار عبر تفعيل المادة 32 من الميثاق، التي تسمح بتعديل شروط العضوية لتشمل فقط الدول المعترف بها في الأمم المتحدة والتي تملك أرضًا وسكانًا وسلطة حقيقية.
تحقيق هذا التعديل لم يعد مستحيلاً، خاصة أن غالبية الدول الأعضاء باتت تدرك أن استمرار هذا الوضع يضر بمصداقية الاتحاد ويضعف موقفه في الساحة الدولية.
إن إزالة هذا الجسم الغريب من داخل المنظمة ستكون بمثابة لحظة تطهير سياسي تُعيد للاتحاد هيبته ووحدته، وتؤكد أن “إفريقيا الجديدة” ليست تلك التي كانت تُدار بمنطق الصراعات الوهمية.
وفي حال تجاهل الاتحاد هذا الملف، فإن الزمن وحده كفيل بفرض الحل من الخارج، حين تُصنّف جبهة البوليساريو رسميًا كتنظيم إرهابي على خلفية ممارساتها في تجنيد الأطفال، وانتهاك حقوق الإنسان، والارتباط بشبكات الإرهاب في الساحل.
لقد آن الأوان للاتحاد الإفريقي أن يتحرر من عبء الماضي، ويثبت للعالم أن إفريقيا قادرة على تصحيح أخطائها بنفسها، تحت عنوان:
“إفريقيا اليوم ليست إفريقيا الأمس”.
بقلم مريم المزوق
مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها وليس عن SWED 24

