SWED24: لم تعد الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجرد خطوة تجارية تقليدية، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسي مباشر على أوروبا، بعد ربط فرض رسوم بنسبة 10% مع التهديد برفعها إلى 25% لاحقًا، بموقف دول أوروبية من قضية غرينلاند. هذا الربط الصريح ينقل الخلاف من إطار الخلافات الدبلوماسية إلى ساحة الإكراه الاقتصادي العلني.
ترامب أوضح هدفه دون مواربة: الرسوم ستبقى سارية إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق يقود إلى “شراء كامل” لغرينلاند. وبهذا، تخرج التعريفات من نطاق النزاعات التجارية المعتادة حول الإغراق أو الأمن القومي، لتتحول إلى وسيلة سياسية لفرض إرادة استراتيجية.
بين القانون الدولي والعقوبات المقنّعة
قانونيًا، يفتح هذا النهج بابًا واسعًا للنقاش حول شرعيته.
أولًا، تبرز مسألة توافق هذه الرسوم مع اتفاقات التجارة القائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ إن فرض تعريفات تمييزية بدوافع سياسية قد يُعد خرقًا لالتزامات دولية.
ثانيًا، يثير الأمر إشكالية مبدأ عدم الإكراه في القضايا السيادية، حيث يُنظر إلى استخدام الأدوات الاقتصادية لإجبار دول على تغيير موقفها من إقليم لا يتبع للولايات المتحدة بوصفه سلوكًا قريبًا من العقوبات الاقتصادية، حتى إن لم يُوصَف رسميًا بذلك.
بعبارة أكثر مباشرة، تؤدي الرسوم هنا وظيفة العقوبات: معاقبة دول رفضت الانصياع للإرادة الأميركية في ملف سيادي.
ستوكهولم ترد: «لن نخضع للابتزاز»
الرد السويدي جاء حازمًا وواضح الدلالة. فقد أكد رئيس الحكومة أولف كريسترسون أن بلاده لن تخضع للابتزاز، مشددًا على أن القضايا المتعلقة بغرينلاند تُقرَّر فقط من قبل الدنمارك وغرينلاند نفسيهما.
والأهم في هذا الموقف أنه نقل المواجهة من مستوى ثنائي إلى إطار أوروبي منسّق، مع مشاورات مكثفة داخل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب النرويج والمملكة المتحدة، في رسالة مفادها أن أي ضغط على دولة واحدة سيُقابل برد جماعي.
خبراء: ترامب جاد والرسوم أداة ضغط حقيقية
ترى تحليلات غربية متعددة أن ترامب يستخدم الرسوم الجمركية كورقة تفاوض، لكنه في الوقت نفسه جاد في سعيه لتحقيق هدفه الاستراتيجي المتعلق بغرينلاند. وتكراره ربط الملف بالأمن القومي وبالتنافس مع روسيا والصين يعزز الانطباع بأنه مستعد للذهاب أبعد في التصعيد إذا لم تتحقق مطالبه.
في المقابل، يشكك خبراء أمنيون في وجود تهديد فوري يبرر هذا السقف المرتفع من الضغط، محذرين من أن تحويل الخلاف إلى مواجهة اقتصادية مفتوحة قد ينعكس سلبًا على تماسك حلف شمال الأطلسي.
تصدّع في علاقة الحلفاء
الخطوة الأميركية تُضعف صورة الولايات المتحدة كـ«الحليف الأقرب» لأوروبا. فمزج الأمن بالتجارة وفرض رسوم على دول حليفة يعمّق أزمة الثقة، ويدفع أوروبا إلى التفكير بجدية أكبر في تعزيز استقلالها الاستراتيجي، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الأمني.
اقتصاديًا، أي تصعيد متبادل في الرسوم سيؤثر على الصادرات والاستثمار وسلاسل الإمداد عبر الأطلسي. أمنيًا، فإن اتساع الشرخ بين الحلفاء قد يمنح خصومهم هامشًا أوسع للمناورة في منطقة القطب الشمالي.
ما المخارج الممكنة؟
رغم حدّة التصعيد، لا تزال أمام الطرفين مسارات أقل كلفة من المواجهة المفتوحة:
- مسار أمني داخل الناتو يعالج مخاوف القطب الشمالي دون المساس بمبدأ السيادة.
- رد أوروبي منسّق قانونياً وتجارياً في حال فُرضت الرسوم فعلياً.
- شراكات اقتصادية واستثمارية في غرينلاند بدل منطق “الشراء أو العقاب”.
أما سيناريو “تسليم” غرينلاند للولايات المتحدة، فيبقى، وفق المواقف الدنماركية والغرينلاندية المعلنة شديد الصعوبة سياسياً وقانونياً، مهما ارتفع منسوب الضغط.
ما يجري اليوم يتجاوز كونه خلافاً تجارياً، ليصبح اختباراً حقيقياً لحدود استخدام القوة الاقتصادية في السياسة الدولية. فإما أن تعود قضية غرينلاند إلى طاولة الدبلوماسية والأمن المشترك، أو تتحول الرسوم الجمركية إلى سابقة تُشرعن فرض الإرادة السياسية عبر الاقتصاد. أوروبا تعلن أنها لن تُبتز، وواشنطن ترفع السقف، وبينهما يقف ملف غرينلاند كعنوان لمواجهة قد تعيد رسم قواعد العلاقة عبر الأطلسي.
لينا نوري سياوش

