مقال رأي/ عيد الفصح ليس مجرد مناسبة للذكرى، بل هو مرآة تُوضع أمام النفس الإنسانية. عيد الفصح يدعونا للتأمل في الألم، والظلم، والمحبة، وفي النهاية، للتأمل في التحوّل. وفي قلب هذا التأمل يقف حضرة السيد المسيح، الذي قدّم في حياته ولحظاته الأخيرة أحد أعمق التعاليم التي عرفها الإنسان.
وفي ذروة معاناته على الصليب، نطق بكلمات لا تزال تتردد عبر العصور: «يا أبتاه، اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون».
هذه الكلمات ليست مجرد تعبير عن رحمة، بل هي إعادة تعريف حقيقية لمعنى القوة.
هذه الروح من الغفران لم تكن مقتصرة على تلك اللحظة الأخيرة. بل تجلّت في مواقف عديدة خلال حياته، حيث كان يمنح العفو والرحمة للناس بغضّ النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو الأحكام التي أطلقها المجتمع عليهم. فقد غفر لمن اعتبرهم الناس مذنبين، واحتضن من تم إقصاؤهم بسبب وضعهم، وأعاد الكرامة لأشخاص أدانهم الآخرون علناً. سواء كانوا من الفقراء أو المنبوذين أو المتهمين، كان يواجههم لا بالإدانة، بل بالفهم والرحمة. وبهذا، أظهر أن قيمة الإنسان لا تُقاس بنظرة الآخرين إليه، بل بحقيقة أعمق لا يدركها إلا قلب ممتلئ بالمحبة.
في لحظات الظلم، يكون رد الفعل الطبيعي هو الحكم والإدانة والسعي إلى تحقيق العدالة من خلال الانتقام. لكن هذا التعليم يتحدى هذا الميل. فهو يشير إلى أن الإنسان كثيراً ما يتصرف دون وعي كامل بالحقيقة أو بعواقب أفعاله أو بعمق الواقع. إن قول «لا يعلمون ماذا يفعلون» لا يبرر الخطأ، بل يدعونا إلى النظر إلى ما وراء الظاهر، إلى إدراك أن الجهل والخوف والحدود البشرية هي ما يدفع في كثير من الأحيان إلى الأذى.
ومن خلال هذا الفهم، يتغيّر المسار. يتحول الحكم إلى فهم، ورد الفعل إلى تأمل، والرغبة في الانتقام إلى مسؤولية في كيفية الاستجابة.
في منطق العالم، تُقاس القوة بالقدرة على السيطرة أو الانتصار. لكن هنا يظهر نوع آخر من القوة: القدرة على الغفران حين يكون لدى الإنسان كل الأسباب لعدم الغفران. يصبح الغفران فعلاً واعياً، ورفضاً لأن يتكاثر الأذى. هو قوة الارتقاء فوق اللحظة، واختيار طريق يحفظ الكرامة، للذات وللآخرين.
يذكرنا عيد الفصح بأننا، رغم شعورنا أحياناً بأن لنا الحق في الحكم، لا نملك القدرة على رؤية الصورة الكاملة لأي إنسان؛ صراعاته، معاناته الداخلية، وجراحه الخفية. لكن ما نملكه هو القدرة على المحبة. وهذه المحبة ليست سلبية، بل هي قوة فاعلة تسعى إلى الوحدة بدل الانقسام، وإلى الشفاء بدل الجرح، وإلى البناء بدل الهدم.
وهنا تتضح الرسالة: لسنا أصحاب سلطة الحكم على القلوب، لكننا مؤتمنون على أن نحبها.
في عالم مليء بالصراعات وسوء الفهم والاستقطاب، يصبح هذا التعليم عملياً للغاية. يدعونا لأن نتوقف قبل أن نرد، وأن نسعى للفهم قبل أن نحكم، وأن نكون مصدر مصالحة حيث يوجد انقسام. هذا لا يعني قبول الظلم، بل مواجهته دون كراهية، ودون أن نفقد إنسانيتنا في الطريق.
عيد الفصح هو في جوهره دعوة للتجدد، ليس فقط تجدد الحياة، بل تجدد الرؤية. يدعونا إلى الارتقاء فوق الغرائز، وفوق الأنا، وفوق النزعة السريعة للحكم. يدعونا إلى السير في طريق تكون فيه المحبة غير مشروطة، والغفران ليس مقتصراً على اللحظات السهلة.
وفي هذا النور، تتجلى حقيقة عميقة: إن أعظم تحول لا يحدث عندما نتغلب على الآخرين،
بل عندما نتغلب على أنفسنا.
د. زياد الخطيب
مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها وليس عن SWED 24

