تحليل إخباري/ في عالم السياسة، قد تمرّ أحداث كثيرة يصعب تصديقها، لكن أن يخرج طرفان من حرب مدمّرة ليعلنا، كلٌّ على طريقته، “نصراً كاملاً”، فتلك لحظة تستحق التوقف، لا للتصفيق، بل للتأمل في عمق المفارقة.
فبعد أربعين يوماً من الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يُهزم أحد رسمياً… لكن الجميع خسروا فعلياً.
الحرب التي اندلعت تحت شعارات الردع والأمن، تحولت سريعاً إلى استعراض مفتوح للقوة. ضربات متبادلة، بنى تحتية مستهدفة، توتر متصاعد، وخطاب سياسي مشحون بوعود “الحسم” و”الرد الساحق”. وعلى امتداد هذه الأيام الأربعين، لم يكن الصراع فقط على الأرض، بل كان أيضاً معركة صور وتصريحات، حيث سعى كل طرف لإثبات أنه الأقوى، والأكثر صلابة، والأقل استعداداً للتراجع.
لكن خلف هذه الصورة الصلبة، كانت الكلفة تتراكم بهدوء قاسٍ.
مدن تضررت، أرواح أُزهقت، وشعوب عاشت أيامها تحت وقع القلق والخوف. وفي موازاة ذلك، تلقى الاقتصاد العالمي ضربة جديدة، مع ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق، وزيادة الضغوط على معيشة ملايين الناس، لا سيما في دول كانت أصلاً تعاني من هشاشة اقتصادية.
الأكثر وضوحاً في هذه الحرب أنها لم تكن مجرد صراع استراتيجي، بل تحولت إلى اختبار إرادة بين قيادات سياسية، بدا أن “عدم التراجع” بالنسبة لها أصبح هدفاً بحد ذاته، حتى لو كان الثمن توسيع دائرة الخطر. فكل خطوة تصعيدية كانت تُقابل بأخرى، وكل تهديد يُرد عليه بتهديد أكبر، في مشهد اقترب أكثر من منطق المبارزة منه إلى حسابات السياسة.
وفي خضم هذا التصعيد، لم تبقِ الحرب آثارها محصورة في طرفيها. بل امتدت توتراتها إلى دول المنطقة، حيث ارتفعت درجات القلق، وتزايدت المخاوف من انزلاق أوسع قد يجرّ الشرق الأوسط، وربما العالم إلى مواجهة أكثر خطورة. وهكذا، لم تعد الحرب حدثاً ثنائياً، بل تحولت إلى أزمة متعددة الأبعاد، سياسياً واقتصادياً ونفسياً.
ثم، في اللحظة الأخيرة تقريباً، جاءت الهدنة. هدنة بدت وكأنها فرملة اضطرارية قبل السقوط في هاوية أكبر. هدنة يتشبث بها العالم، لا لأنها نهاية مؤكدة للحرب، بل لأنها على الأقل توقف النزيف.
غير أن المفارقة الكبرى لم تكن في الهدنة نفسها، بل فيما تلاها. واشنطن أعلنت “نصراً كاملاً”. وطهران أعلنت “انتصاراً تاريخياً”.
وفي هذا المشهد تحديداً، تتجلى الكوميديا السوداء بأوضح صورها: حرب بلا حسم. خسائر بالجملة ونصر يتقاسمه الجميع نظرياً، ولا يلمسه أحد فعلياً.
الحقيقة أن هذه الحرب لم تنتج منتصراً بقدر ما كشفت هشاشة النظام الدولي أمام منطق القوة غير المنضبط. كما أظهرت أن الشعوب، لا القادة، هي التي تدفع الثمن الأكبر، سواء عبر القصف المباشر أو عبر الأزمات الاقتصادية التي تتبع الحروب كظل ثقيل.
اليوم، تقف الهدنة كفرصة نادرة. فرصة ليس فقط لوقف إطلاق النار، بل لإعادة النظر في طريقة إدارة الصراعات أصلاً. فالعالم، الذي خرج أكثر توتراً، لا يحتاج إلى مزيد من “إعلانات النصر”، بل إلى قدر أكبر من الحكمة السياسية.
قد تستمر هذه الهدنة وقد تنهار. لكن المؤكد أن “نصر الطرفين” سيبقى، في ذاكرة هذه الحرب، عنواناً لواحدة من أكثر المفارقات وضوحاً: حين يعلن الجميع الفوز… يكون الخاسر الحقيقي هو العالم بأسره.

