SWED24: هل كنت ستصبح شخصاً مختلفاً لو نشأت في بلد آخر؟ سؤال قديم يتجدد مع كل بحث جديد في العلاقة المعقدة بين الطبيعة الوراثية والتنشئة الثقافية، وما تعنيه هذه الثنائية لهويتنا وشخصياتنا وقيمنا.
في إحدى أمسيات الصيف الحارة بقرية صغيرة قرب كلكتا في الهند، جلس طفل في العاشرة من عمره يتناول الأرز بزيت الخردل مع ابنة عمّه، حين باغتته بسؤال بسيط وصادم في آن واحد:
«هل صحيح أن الناس في السويد يأكلون الأبقار والخنازير؟».
ومع أن السؤال بدا عاديًا في سياقها الثقافي، إلا أنه كشف فجوة عميقة في طريقة فهم العالم بين طفل نشأ في أوروبا، وطفلة كبرت في بيئة ترى الحيوانات ككائنات يجب حمايتها لا استهلاكها.
كانت تلك اللحظة كفيلة بزرع تساؤل أكبر: إلى أي مدى تحدد الثقافة المكان الذي نكبر فيه طريقة تفكيرنا، ومشاعرنا، وسلوكنا؟ ولو تغيّر المكان، هل كنا سنبقى الأشخاص أنفسهم؟
الطبيعة أم التنشئة؟
لطالما انقسم العلماء بين من يرى أن الحمض النووي هو العامل الحاسم في تشكيل الشخصية، ومن يؤكد أن البيئة الاجتماعية والثقافية تلعب الدور الأكبر. لكن الأبحاث الحديثة تميل إلى رؤية أكثر توازنًا.
توضح زيادا أيوريتش، عالمة الوراثة النفسية، أن الجينات تمنحنا الأساس، لكنها لا تعمل في فراغ. فالهجرة، واللغة، والمعايير الاجتماعية، وأنماط التفاعل اليومي، كلها عوامل تتداخل مع التركيبة الجينية لتشكّل الشخصية النهائية للفرد.
ويعتمد الباحثون في هذا المجال على دراسات التوائم، حيث تُقارن سمات التوائم المتطابقة (ذات الحمض النووي شبه المتطابق) بالتوائم غير المتطابقة. والنتيجة المتكررة: الوراثة تفسر في المتوسط نحو 50 في المئة فقط من الفروقات بين الأفراد.
سمات تتأثر بالبيئة أكثر من غيرها
تشير الدراسات إلى أن الذكاء يُورث بنسبة تفوق 50 في المئة، بينما تُورث سمات الشخصية الأساسية—مثل الانفتاح الاجتماعي أو الانطواء—بنحو 40 في المئة فقط، ما يترك حيزًا واسعًا لتأثير البيئة.
وهذا لا يعني أن 40 في المئة من شخصية الفرد «مكتوبة في جيناته»، بل أن 40 في المئة من الفروق بين الناس يمكن تفسيرها وراثيًا، فيما تتولى الثقافة والتجارب الحياتية تفسير البقية.
الثقافة تعيد تشكيل الدماغ
بحسب علم النفس العصبي، لا يقتصر تأثير البيئة على السلوك الظاهر فقط، بل يمتد إلى بنية الدماغ نفسها. فالمسارات العصبية تتشكل وتترسخ بناءً على التجارب اليومية، وأنماط التواصل، والقيم السائدة في المجتمع.
وتؤكد عالمة النفس متعددة الثقافات تشينغ يو هوانغ أن الثقافة ليست عنصرًا خارجيًا، بل «جزء لا يتجزأ من تكوين الشخصية». فحتى مع الحمض النووي نفسه، كان الدماغ سيتطور بشكل مختلف تمامًا لو نشأ الإنسان في مجتمع آخر.
هل كنا سنبقى نحن؟
الخلاصة التي يتفق عليها الباحثون هي أن الشخصية نتاج تفاعل مستمر بين الجينات والبيئة. نحن لا نُعاد تشكيلنا من الصفر عند تغيير المكان، لكننا نتكيف، وننحاز، ونغيّر بعض ملامحنا، مع احتفاظنا بجذورنا العميقة.
بعبارة أخرى: نحن نحن… لكن بنسخ مختلفة، يصنعها المكان الذي نكبر فيه.

