مقال رأي/ في كتاب وعاظ السلاطين يذهب عالم الاجتماع العراقي علي الوردي إلى فكرة صادمة في بساطتها: لا تطلب من الناس أن يكونوا ملائكة، أصلِح الظروف التي تدفعهم للتصرّف بعكس ما يؤمنون به.
هذه المقولة، وإن وُلدت في سياق نقدٍ لمجتمعٍ عربيٍّ تقليدي، تطرح سؤالًا معاصرًا يصلح لكل دولة حديثة: هل يكفي الوعظ الأخلاقي، أم أن القانون والسياسات العامة هي التي تصنع السلوك؟
في التجربة السويدية، تبدو الإجابة عملية أكثر من كونها خطابية. فالقانون ليس مجرد نصوص تُعاقِب، بل إطارٌ يُعيد تشكيل البيئة الاجتماعية. البرلمان السويدي يسنّ تشريعات تستند إلى مبدأ “المسؤولية المتبادلة”: الفرد يلتزم، مقابل أن توفّر الدولة شروطًا عادلة للالتزام. هنا لا يُفترض بالمواطن أن يكون مثاليًا بطبعه، بل يُبنى نظام يقلّل إغراء المخالفة ويعزّز السلوك المسؤول.
خذ مثال الشفافية والحق في الوصول إلى المعلومات، وهو تقليد قانوني عريق في السويد. إتاحة الوثائق العامة للرقابة المجتمعية لا تفترض نزاهة مطلقة لدى المسؤول، بل تخلق بيئة تجعل الفساد أصعب وأعلى كلفة. وكذلك في سياسات الرفاه: حين تضمن الدولة حدًا أدنى من الأمان المعيشي، فإنها تُضعف دوافع الجريمة الاقتصادية، وتحوّل “الفضيلة” من بطولة فردية إلى نتيجة منطقية لنظام عادل.
هذا لا يعني أن السويد مدينة فاضلة أو أن قوانينها تمنع كل انحراف. لكن الفكرة الجوهرية هي أن الإصلاح يُدار عبر البنية لا عبر المواعظ. الحكومة—من خلال وزاراتها وهيئاتها—تُراكم أدوات تنظيمية: ضرائب تصاعدية تُخفّف فجوات الدخل، سياسات إسكان تقلّل العزلة، وتعليم مجاني يفتح فرص الحراك. بذلك تُعالَج الأسباب قبل النتائج.
المفارقة أن المجتمعات التي تُكثِر من خطاب الأخلاق قد تُقصّر في بناء الشروط المؤسسية التي تجعل الالتزام ممكنًا. أما حين يكون القانون واضحًا، والعقوبات متناسبة، والحقوق مصونة، فإن السلوك القويم يصبح الخيار الأسهل لا الأصعب. هنا يتحوّل “الالتزام” من فضيلة فردية نادرة إلى معيار اجتماعي شائع.
خلاصة القول: لا يبدأ الإصلاح بإلقاء اللوم على الأفراد، بل بتصميم سياسات تقلّل التناقض بين ما يؤمنون به وما يضطرون لفعله. الدولة التي تفهم هذا، لا تطلب من مواطنيها أن يكونوا ملائكة—بل تبني نظامًا لا يحتاج إلى ملائكة كي يعمل بعدلٍ وكفاءة
علي المالكي
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

