تدخل الحرب ضد إيران مرحلة جديدة ومفصلية، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق الهجمات على محطات الكهرباء والمنشآت الطاقية في إيران لمدة خمسة أيام، في خطوة مفاجئة جاءت قبل ساعات قليلة من انتهاء المهلة التي كان منحها لطهران لفتح مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
القرار يبدو في ظاهره تهدئة مؤقتة، لكنه في جوهره لا يلغي احتمالات التصعيد، بل يعيد ترتيب المشهد في لحظة شديدة الحساسية قد تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي وربما النظام الدولي بأكمله.
اللغة التي تُستخدم اليوم ليست جديدة، لكن السياق مختلف. فبعد التهديد بتدمير منشآت الطاقة، جاء تعليق الضربات كرسالة مزدوجة: ضغط مستمر من جهة، وفتح نافذة ضيقة للمناورة من جهة أخرى. هذا التحول يعكس أن الصراع لم يعد مجرد تبادل تهديدات، بل دخل مرحلة “إدارة التصعيد”.
ترامب… سياسة المفاجآت مستمرة
التجارب السابقة مع ترامب تشير إلى نمط واضح: مهلة تُعلن، ثم قرار مفاجئ يُتخذ، أحياناً بالتصعيد وأحياناً بالتهدئة، دون ارتباط مباشر برد الطرف الآخر. وهذا ما حدث مراراً، من إيران إلى فنزويلا.
قرار تعليق الهجمات لمدة خمسة أيام لا يبدو نهاية المسار، بل جزءاً من تكتيك أوسع، قد يسبق إما تصعيداً أكبر أو تسوية سريعة، بحسب تطورات الميدان والحسابات السياسية. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية أكثر تعقيداً: فحتى التهدئة تحمل في داخلها احتمالات الانفجار.
حرب تعدت الجغرافيا إلى الاقتصاد العالمي
على عكس حروب سابقة، لم تبقَ هذه المواجهة محصورة في حدود الدول المتحاربة، بل امتدت بسرعة إلى الاقتصاد العالمي، لتتحول إلى ما يمكن وصفه بـ“حرب طاقة عالمية”.
إغلاق مضيق هرمز لم يكن مجرد خطوة عسكرية، بل زلزال اقتصادي. أسعار النفط قفزت، وسلاسل الإمداد اضطربت، وتبعتها أسعار الغذاء، لتصل التداعيات إلى شعوب بعيدة آلاف الكيلومترات عن ساحة الحرب.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: الحرب لم تعد بين جيوش، بل بين أنظمة اقتصادية كاملة.
رغم إعلان وقف الهجمات مؤقتاً، فإن الأسواق لا تتعامل مع التصريحات بقدر ما تتعامل مع المخاطر. فأسعار الطاقة لا تزال مرتفعة، والتوتر قائم، وأي عودة للضربات بعد انتهاء الأيام الخمسة قد تعني صدمة جديدة. بمعنى آخر، الهدنة لا تعني الاستقرار، بل تأجيل المواجهة.
قرارات متسرعة أم حسابات ناقصة؟
وحتى الآن، تشير المعطيات إلى أن التصعيد جاء أسرع من قدرة الأسواق على التكيف. وربما لم تُحسب بدقة تداعياته على الطاقة، ولا على أسواق الأسهم والعملات. النتيجة كانت واضحة: ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وتراجع في الأسواق المالية، وزيادة الضغوط التضخمية، وعودة شبح الركود الاقتصادي، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة
تصعيد لفظي… ومخاطر قائمة
رغم التهدئة المؤقتة، لا يزال الخطاب بين الأطراف متوتراً. التهديدات المتبادلة لم تتوقف، ما يعني أن أي خلل صغير قد يعيد الأمور إلى نقطة الانفجار. والحقيقة الأكثر خطورة تبقى قائمة: أي استهداف لمنشآت الطاقة أو البنية التحتية الحيوية لن يكون مجرد خطوة عسكرية، بل قد يطلق سلسلة أزمات اقتصادية وإنسانية عالمية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
مع هذا التطور الجديد، يقف العالم أمام ثلاثة احتمالات:، وهي تصعيد مؤجل: انتهاء المهلة وعودة الهجمات بشكل أعنف، وتفاوض غير معلن: استغلال الهدنة لفتح قنوات خلفية تسوية مفاجئة: إعلان تهدئة شاملة دون حسم عسكري واضح. التاريخ القريب يشير إلى أن جميع هذه السيناريوهات ممكنة، وأن القرار قد يأتي بشكل مفاجئ في أي لحظة.
الخاسر الأكبر: الاقتصاد العالمي
في جميع الحالات، تبدو الخسارة الحقيقية جماعية. فالحرب، حتى مع توقفها المؤقت، تركت آثارها على الأسواق والطاقة والمعيشة اليومية لملايين البشر.
استمرار التوتر، حتى دون قتال مباشر، يعني استمرار الضغط على الأسعار والاقتصاد، خاصة في الدول التي تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية. وإذا طال أمد الأزمة، فإن العالم قد يقترب أكثر من سيناريو “الركود التضخمي” الذي يخشاه الاقتصاديون.
ما الذي يمكن قراءته الآن؟
التهدئة الحالية تكتيكية وليست نهائية
الطاقة أصبحت محور الصراع الرئيسي
الأسواق تعيش حالة ترقب لا استقرار
والقرارات السياسية باتت تحرك الاقتصاد العالمي بشكل مباشر في النهاية، قد لا يكون السؤال عن من سيربح هذه الحرب، بل كم سيخسر العالم منها. حرب لا رابح فيها غير الانهيار.
تقرير – لينا نوري سياوش

