وقبل أن نفتح دفتر الحكاية مع مكتب العمل والسوسيال، خلّونا نقول الحقيقة كما هي: المهاجرون هنا ليسوا قالبًا واحدًا، بل فسيفساء بشرية جميلة، كل شريحة فيها جاءت بخلفية “Ctrl+C / Ctrl+V” مختلفة، وقصة مختلفة، ووجع مختلف – ومع ذلك يعاملوننا كأننا نسخة
هناك الطبقة ذات التعليم العالي مهندسين أو أطباء و غيرهم ممن أنفق عشرات الالاف من الدولارات وتعب أهله كي يصل للمرحلة الجامعية هذه. أناس درسوا، تعبوا، حملوا شهادات علّقت على الجدران وتوّجت بالخبرة، وما يمنعهم من دخول سوق العمل إلا اللغة وبعض الدورات الشكلية. هؤلاء – لو كان في بعض المسؤولين ذرة عقل – لفتحوا لهم الأبواب بالسجاد الأحمر، فهم إضافة مذهلة للسويد جاهزون لدفع الضرائب.
لكن بدل ذلك، تمنحهم الدولة قائمة شروط أطول من شتاء الشمال القطبي، فيها من الطلبات ما يكفي لإقناعك بأن الاندماج مجرد “إشاعة”
ثم تأتي الصدمة الكبرى:
تعليم اللغة .. يا الله على تعليم اللغة..
طريقة تدريس لا تميّز بين امرأة جاءت من قرية لم ترَ مدرسة قط، وامرأة تحمل شهادات عليا وشغّلت نصف مؤسسات بلدها قبل حلم الهجرة.
الخلفيات؟ المستويات؟ الخبرات؟ ولا كأنها موجودة! الجميع في خندق واحد! وكأنهم يقولون لك: “تفضلوا، ذوبوا جميعًا، نريد نتيجة واحدة” ولن أبتعد أو أؤلف قصة من بنات أفكاري فإبنتي التي درست الهندسة الطبية الحيوية وتكلفت ووالدها على تدريسها مايربو على الربع مليون كورونة كان طريقها للاندماج كورس في “التنظيف” ، إلى ماذا ترمي الحكومة هنا؟؟
ثم هناك طبقة المتعلمين تعليمًا متوسطًا .. بعضهم يريد إكمال تعليمه، وبعضهم يريد العمل فورًا.. فهم طاقات معطلة يريدون جني المال لعظم المسؤلية على عاتقهم ولكي يشعرون بكينونتهم وكي يندمجون في بلد أختاروه أو أختارهم فلا فرق كان لديهم حينها.
فماذا يحصل لهم؟ يُطلقون في البرية يمنة تارة.. يسرى تارة.. يبحثون عن طريق، عن يد، عن مرشد.. لكن مكتب العمل – يا سلام – موجود فقط ليقول:
“ابحث عن عمل بنفسك” فهذه وظيفة بحد ذاتها.
واجهة كبيرة للإحباط، وساحة ذهبية لجني الأموال لأرباب العمل، وليس للمهاجرين طبعًا.
ولو سألت أي مهاجر عن استفادته من برامج “الاندماج والتوجيه والتفعيل والتدوير البيروقراطي” سيقول لك بمرارة ضاحكة: أكثر ما استفدت هو “الإحباط الراقي”
ما شأني أنا بمقالة عن “التنوع اللغوي بين شعوب الشمال” أو مقارنة فلسفية بين النوم المبكر والنوم المتأخر؟! أنا فقط كنت أريد أن أتعلم كيف أقول لسائق الباص: “استنى شوي!”، وكيف أطلب موعدًا من موظف المستوصف دون أن أشعر أني أتقدم بطلب لجوء من جديد! علمني كيف أشتري علبة حليب دون أن أخوض حرب أسعار ومصطلحات في المتجر!
لكن بدلاً من ذلك، ألقيتم بي في دورة عن “قيم المجتمع” لا يفهمها حتى المجتمع نفسه. ثم نصل إلى “الطبقة المنكوبة”: كبار السن، والأميين، والحرفيين.. وهنا تبدأ الكوميديا السوداء بكل أناقتها.
خذ الحرفي مثلاً: نجّار ماهر، ميكانيكي عبقري، سبّاك يعرف أماكن التسريب في روحك ، كهربائي يمكنه إضاءة مزاجك المعتم. هؤلاء كنوز بشرية. لكن السويد تصرّ على أن تجلسهم في فصول لغة أكاديمية، تطلب منهم كتابة مقالة تحليلية عن سقوط الإمبراطورية الرومانية قبل أن تسمح لهم بتصليح كرسي مكسور.
والأسوأ؟ البعض منهم لم يجلس على مقعد دراسة منذ “عهد الناموسية”، فهل نجبره اليوم أن يناقش الفعل المضارع التام المستمر بينما هو بالكاد يميّز بين الواي فاي وسلك الغسالة؟
الحل؟ واضح كالشمس في نهار ستوكهولمي نادر: لغة ضمن المهنة، تدريب داخل بيئة العمل، توظيف سريع.. لكن لا
البيروقراطية في السويد مقدّسة، محمية أكثر من حيوان الأيل القطبي.
أما كبار السن؟ أولئك الذين بالكاد يعرفون طريق البريد، يوضعون في فصول لغة رقمية متقدمة، ويُطلب منهم تسجيل الدخول على منصة تعليمية لا يعرفها حتى مخترعها!
ومن لا يحب الدراسة؟ مصيره هو الآخر أن يتعلّم الإنجليزية كي يقدّم على وظيفة لا تتطلب حتى الحديث! يا له من “اندماج”. يشبه أن تطلب من الجَمل أن يتعلّم التزحلق على الجليد كي يُقبل في السيرك!
يا أخي، دعوه يغسل سيارات، يعمل في التغليف، يساعد في المزارع.
هذه وظائف لا تحتاج كل هذا التعقيد.
لكن هنا.. كل شيء يجب أن يُعقّد حتى يصبح “سويديًا” عن حق وحقيق.
النظام الذي لا ينجح إلا في إحباط الناجحين .. هذا النظام لن ينجح مع هذا الكم الهائل من المهاجرين الذين تكالب عليهم السوسيال ووكالة العمل بشروط تعجيزية لا يستفيد منها إلا الموظف القابع خلف مكتبه، ذاك الذي يرفّ جفنه من تعب توقيع الأوراق ويتصبّب عرقًا من شدة الضغط على زرّ “رفض الطلب .
ففي السويد، لا يهم إن كنت تحمل دكتوراه في الفيزياء النووية أو كنت بالكاد تُجيد القراءة فالنهاية واحدة ..”عامل نظافة محترم”،أو في أفضل الأحوال:”موظف رعاية صحية مُرهَق” أو”سائق أوبر ينتظر تقييم 5 نجوم من راكب سكران”
أما المجتهد الحقيقي؟ اللي درس وسهر وسافر وبنى خبرات؟
فمثله مثل غيره”عامل نظافة”، لكن بلغة أكاديمية، وعقد مؤقت، وابتسامة إجبارية، ينظّف آثار سياساتهم الفاشلة قبل أن ينظّف الشوارع..بل حتى عامل النظافة صار حلمًا! وظيفة يتنافس عليها الجميع لأنها أعلى من مستوى البطالة بدرجتين: درجة الأمل، ودرجة الشعور أنك ما زلت كائنًا حيًا. وسرعان ما تكتشف أن النظام لا يريدك موظفًا ولا عاطلًا ولا مهاجرًا ولا مواطنًا.هو فقط يريدك رقمًا في ملف:
“” قادم من دول العالم الثالث غير مستقر يُنصح بإرساله لدورة الثقة بالنفس
بينما الموظف خلف المكتب يشرح لك بكل جدية أنك يجب أن تندمج، تعمل، تتطور، تتعلم السويدية، تدرس، تتدرب، تمارس الرياضة، تحترف البرمجة، وترضى بالأمر الواقع وتبتسم لكن بشرط:
“ألا تحصل على وظيفة حقيقية، ولا مساعدة حقيقية، ولا فرصة حقيقية “
إنه نظام يطالبك بالنجاح،ثم يقذفك في أول سلة مهملات بيروقراطية،
ويقول لك بكل إنسانية مصطنعة وابتسامة:
“حاول مرة أخرى، نحن هنا لدعمك ولاتنسى أن عملية البحث عن وظيفة هي ذاتها وظيفة”.
لكن دعونا نلقي نظرة لنرى ما الذي يقوله الواقع؟ يا للعجب!
كل الدراسات والجامعات والمؤسسات التي يحب الغرب التباهي بها تشير بالأسود والأبيض والألوان كمان إلى أن المهاجرين ليسوا عبئًا بل أحد أعمدة التنمية.. وليسوا كما يشاع عنهم منطوون غير مندمجين في المجتمع.
فكلمة “اندماج” في السويد أصبحت مثل مسمار جحا يُعلَّق عليها كل فشل، ويُلوَّح بها كأنها عصا سحرية لتبرير السياسات العرجاء.
لكن هل سأل أحدهم نفسه: ما معنى الاندماج حقاً؟
هل يعني أن يذوب المهاجر بالكامل، ويتبخر اسمه، وثقافته، ولغته، ومؤهلاته؟هل هو اختبار مستمر لإثبات “الجدارة”؟
أم أنه عملية متبادلة، قائمة على القبول والاحترام من الطرفين؟
المهاجرون يعرفون معنى الاندماج، يعرفون ما هو تقبّل الآخر، فقد جاؤوا من ثقافات متنوعة، وعاشوا تجارب لا تُقدّر بثمن.
لكن، من يتحدث باسم “الاندماج” هنا هل يقبل الآخر حقاً.
إذا كان الحزب اليميني يعترض حتى على دعم الشركات التي توظف الأجانب..فأي اندماج هذا؟!هل هو اندماج أم تدجين؟
يبدو أن بعض السياسيين أنفسهم بحاجة إلى دورات مكثّفة في الاندماج وتقبّل الآخر، بدلاً من إلقاء المحاضرات علينا كل صباح!!
اندماج؟ نعم، نحن مستعدون، لكن أولاً.. ليحاول الطرف الآخر من عنده أن يحبو قليلا تجاه الآخر.
إذا كانت أوروبا تسعى لنظامٍ اجتماعيّ متماسك، واقتصاد نابض، ورفاهٍ صحيّ، فلتشكر المهاجرين..
هؤلاء هم من فر من نيران الحرب لا ليأخذوا، بل ليبنوا و لكن بدل أن يُكافَأ المهاجر ويمنح فرصا حقيقية يحارب بشتى السبل اعلاميا ومهنيا واجتماعيا ونفسيا بل ويمارس عليه الارهاب و رغم ذلك ..
ينجح المهاجر،لا بفضل النظام،بل رغمًا عنهم..!
ففي السويد، لا يكفي أن تكون مهاجرًا التزمت بالقوانين، دفعت الضرائب، وربيت أبناءك على احترام المجتمع، فحتى وأنت متقاعد، لا تنسَ أنك ما زلت “تحت المجهر”
فبعض السياسيين لا يتوانى عن التلويح بعصا سحب الجنسية أو الإقامة، حتى لأتفه الأسباب، بينما يُغض الطرف عن “الأخطاء” إن صدرت من الطرف الآخر. ميزان العدالة يبدو حساسًا جدًّا، لكنه يميل دائمًا باتجاه واحد.
المهاجر – الذي جاء فرارًا من ظلم حكّامه – يكتشف في المهجر ظلماً آخر، أكثر برودًا، وأكثر مؤسسية. كأن القدر كتب عليه ألّا يرتاح، لا في وطنه، ولا في منفاه.
نعم، هناك من يعتقد أنه في السويد تُحاسب حتى على حسن نيتك، ويُساء الظن بك حتى في تقاعدك، أما العدالة، فهي تنظر إليك بنصف عين، وتتأكد جيدًا أن اسمك لا ينتهي بـ “سون”.
بقلم ليلى أمين السيف
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

