مقال رأي/ فاروق الدباغ: لم تكن السويد، لعقود طويلة، مجرد دولة ذات اقتصاد قوي، بل كانت نموذجًا أخلاقيًا لفكرة الرفاه. دولة لا يُترك فيها الفرد وحيدًا أمام المرض أو البطالة أو الفقر، ولا يُقاس فيها الاستقرار فقط بالناتج المحلي، بل بقدرة الناس على العيش بكرامة. لكن ما نشهده اليوم يوحي بأن هذا العقد الاجتماعي قد تصدّع، وأن السويد انتقلت بهدوء، ومن دون إعلان رسمي، من دولة الرفاه إلى دولة الكفاف.
السنوات الأخيرة كانت قاسية على معظم الأسر. التضخم ضرب أساسيات الحياة، وأسعار الغذاء ارتفعت بنحو 25 في المئة خلال فترة قصيرة، وهي قفزة لا نجد لها مثيلًا إلا إذا عدنا إلى خمسينيات القرن الماضي. الإيجارات ارتفعت، الفوائد البنكية أنهكت أصحاب القروض، والطاقة لم تعد أمرًا بديهيًا يمكن تشغيله بلا حساب. بالتوازي، وصلت البطالة إلى قرابة تسعة في المئة، وهو رقم لم يعد يمكن وصفه بالمؤقت أو العابر.
وفق تعريف الفقر الاجتماعي والمادي، يعيش اليوم قرابة 700 ألف شخص في السويد دون هامش أمان اقتصادي. هؤلاء لا يملكون احتياطيًا للطوارئ، يعجزون عن تحمّل نفقات مفاجئة، وبعضهم لا يستطيع تدفئة منزله كما ينبغي أو التفكير في إجازة قصيرة. هذه ليست حالات فردية، بل حالة اجتماعية آخذة في الاتساع.
لكن الأثر الأعمق لهذا التحوّل يقع على فئة واحدة أكثر من غيرها: المهاجرون. فهذه الفئة تقف في الصف الأول أمام الصدمات الاقتصادية، لا لأنها أقل كفاءة، بل لأنها تعمل في سوق عمل أكثر هشاشة. فرص العمل المتاحة للمهاجرين أقل عددًا، والمنافسة عليها أعلى بكثير، وغالبًا ما تتركّز في قطاعات خدمية منخفضة الأجور مثل النقل، التنظيف، الرعاية غير المؤهلة، والمطاعم. هذه المهن كانت أصلًا تعاني من ضعف الأجور، ومع التضخم أصبحت رواتبها غير قادرة على مواكبة كلفة المعيشة، ما دفع كثيرين إلى العيش على حافة الكفاف رغم العمل بدوام كامل.
يضاف إلى ذلك أن مسارات الترقّي الوظيفي للمهاجرين أبطأ وأكثر تعقيدًا، سواء بسبب معادلة الشهادات، أو ضعف الشبكات الاجتماعية، أو اللغة، أو التمييز غير المعلن. النتيجة أن قطاعات كاملة باتت تعتمد على قوة عمل لا تملك هامش تفاوض حقيقي على الأجور، ما يرسّخ فجوة طبقية صامتة داخل سوق العمل السويدي.
المفارقة الصادمة تظهر حين ننظر إلى نظام المساعدات الاجتماعية. في الوقت الذي تضاعف فيه عدد الفقراء تقريبًا خلال ثلاث سنوات، انخفض عدد الأشخاص الذين يحصلون على المساعدات المالية من البلديات بنسبة تقارب 25 في المئة. قبل موجة التضخم، كان نحو 93 ألف شخص يعتمدون على هذا الدعم. بعد سنوات الغلاء، انخفض العدد إلى حوالي 71 ألفًا فقط.
وهنا يتداخل العامل الاقتصادي مع السياسي. فسياسات الهجرة في الخطاب العام لم تعد تُقدَّم بوصفها ملفًا إداريًا أو إنسانيًا، بل تحوّلت إلى أداة تفسير جاهزة لكل أزمة. المهاجر أصبح، في كثير من النقاشات، صورة مختصرة لمشاكل المجتمع: البطالة، الضغط على الخدمات، الجريمة، وحتى تراجع الرفاه. هذا الخطاب لا يخلق حلولًا، لكنه يخلق مبررًا لتشديد السياسات وتقليص الدعم، ويحوّل الفقر من ظاهرة بنيوية إلى مسؤولية فردية ملقاة على كاهل الفئة الأضعف.
السؤال هنا لم يعد فقط لماذا تراجع الوصول إلى المساعدات، بل من الذي يُدفع خارجها أولًا. ومعايير الاستحقاق الصارمة، والبيروقراطية المعقّدة، وسقف القبول المتدني، تصيب المهاجرين بشكل غير متناسب، لأنهم أصلًا يقفون في منطقة رمادية بين العمل غير الكافي والدخل غير المؤهل للحياة الكريمة.
بهذا المعنى، لم تختفِ دولة الرفاه فجأة، لكنها أعادت تعريف نفسها. تحوّلت من دولة تحمي الضعف البنيوي، إلى دولة تختبر قدرة الفرد على الاحتمال قبل الاعتراف بحقه في الدعم. السويد لم تصبح دولة فقيرة، لكنها أصبحت دولة يُطلب فيها من فئات واسعة، وعلى رأسها المهاجرون، أن يعيشوا أطول وقت ممكن على الكفاف داخل اقتصاد غني.
وإذا كان الرفاه يومًا يعني ألا يسقط أحد خارج شبكة الأمان، فإن ما يحدث اليوم هو أن هذه الشبكة ما زالت موجودة، لكنها أصبحت أعلى من أن تطال الجميع. والسؤال الحقيقي لم يعد إن كانت السويد قادرة على حماية نموذجها الاجتماعي، بل إن كانت ما تزال راغبة في ذلك.

فاروق الدباغ
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

