مقال رأي: في السويد، لا يُنظر إلى القطاع الصحي بوصفه مجرد مرفق خدمي، بل باعتباره أحد أكثر القطاعات التصاقًا بحياة الناس اليومية، وأكثرها حساسية من حيث الثقة والكفاءة والاستمرارية ، ولهذا، فإن أي حضور مهني داخل هذا القطاع لا يُقاس بالشكل أو الانتماء، بل بالقدرة على أداء الدور، والالتزام بالمعايير، وإثبات الجدارة في منظومة معروفة بدقتها العالية.
ومن هذا المنطلق، تبدو قصة الكفاءات الطبية العراقية في السويد، على سبيل المثال، قصة تستحق التوقف عندها طويلًا، ليس فقط لأنها تعكس نجاحًا فرديًا لعدد من الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان، بل لأنها تكشف عن ظاهرة مهنية واضحة المعالم، تؤكد أن الخبرة العراقية استطاعت أن تتحول إلى جزء فعلي من المشهد الصحي السويدي.
واستنادا الى التحليل الإحصائي الموثق حول الكوادر الطبية من ذوي الأصول العراقية في السويد، والذي يقدم صورة مبنية على بيانات الترخيص المهني الساري والوجود الفعلي في سوق العمل لعام 2023 وفق المجلس الوطني السويدي للصحة والرعاية الاجتماعية ( للاسف لا يتضمن هذا التقرير ذوي المهن الطبية الاخرى كالممرضين او مساعد الممرضين).
المهن الثلاث الرئيسية التي يتضمها هذا المقال( الطب ، طب الاسنان ، الصيدلة) ، في الصيدلة، يظهر ان ذوي الاصول العراقية في صدارة بلدان الميلاد الرئيسية بعد استبعاد المولدين في السويد، مع نحو529 صيدلانيًا /صيدلانية من المولودين في العراق، وهي كتلة تعادل تقريبًا 14 إلى 15 بالمئة من إجمالي الصيادلة في السويد، ونحو 27 بالمئة من الصيادلة المولودين خارج السويد.
وفي الطب، يصل عدد الأطباء المولودين في العراق والحاصلين على ترخيص مهني سويدي ساري والناشطين فعليًا في السوق إلى نحو 1532 طبيبًا، أي ما يقارب 3 إلى 4 بالمئة من إجمالي الأطباء في السويد ونحو 10 بالمئة من الأطباء المولودين خارج السويد. أما في طب الأسنان، فيبلغ العدد نحو 584 طبيب أسنان، بما يعادل حوالي 7 بالمئة من الإجمالي اطباء الاسنان ونحو 18 بالمئة من المولودين خارج السويد. هذه ليست أرقامًا صغيرة أو عابرة؛ إنها تدل على وزن مهني ملموس داخل منظومة صحية بحجم السويد.
لكن قوة القصة العراقية لا تكمن في الأعداد وحدها، بل في نوعية الطريق الذي قطعه أصحاب هذه الكفاءات حتى يصلوا إلى هذه المواقع. هنا يجب الانتباة الى نقطة بالغة الأهمية: بين الأطباء المولودين في العراق، هناك نسبة تقارب 67 بالمئة تلقّوا تعليمهم الطبي خارج الاتحاد الأوروبي، وهي نسبة ذات دلالة عميقة؛ لأنها ترتبط مباشرة بإجراءات الاعتراف بالشهادات، وامتحانات المعرفة، ودورات القوانين السويدية، والتدريب العملي، وإثبات الكفاءة اللغوية ،بعبارة أخرى، جانب كبير من الحضور العراقي في المهنة الطبية داخل السويد لم يأتِ عبر “المرور السلس” من داخل فضاء الاعتراف الأوروبي التلقائي، بل عبر مسار أصعب وأطول وأكثر تعقيدًا. وهذا ما يضيف إلى الرقم بُعدًا آخر: ليس فقط كم عددهم، بل كم عقبةً عبروا حتى أصبحوا جزءًا من المشهد الصحي السويدي.
من الناحية العملية ، هنا تكمن الجاذبية الحقيقية للقصة: العراق ليس استثناءً شعوريًا، بل حقيقة رقمية، ففي الصيدلة يتصدر، وفي الطب يتقدم على دول أوروبية كبرى من حيث بلد الميلاد، وفي طب الأسنان يتمركز في الصفوف الأولى ، وهذا يعني أن الكفاءات الطبية العراقية لم تعد مجرد قصص فردية متناثرة عن طبيب نجح هنا أو صيدلانية تفوقت هناك، بل صارت ظاهرة مهنية قابلة للقياس، وإذا كان الإعلام العربي في أوروبا كثيرًا ما يكتفي بتقديم صورة عاطفية عن المهاجر الناجح، فإن هذه الأرقام تمنحنا فرصة لكتابة قصة مختلفة: قصة مهنية مؤسساتية، فيها بنية، وفيها اتجاهات، وفيها تأثير واضح على سوق العمل الصحي.
ولأن المقالة تقوم على “الأرقام”، فمن المهم التوقف عند سؤال: ماذا يعني أن تبلغ حصة العراقيين نحو 27 بالمئة من الصيادلة المولودين خارج السويد؟ ماذا يعني أن يشكل الأطباء المولودون في العراق نحو 10 بالمئة من الأطباء المولودين خارج السويد؟ وماذا يعني أن يمثل أطباء الأسنان المولودون في العراق نحو 18 بالمئة من نظرائهم المولودين خارج السويد؟ المعنى الأول هو أن الجالية العراقية ليست فقط جالية كبيرة، بل جالية قادرة على تحويل كتلتها البشرية إلى رأس مال مهني ، والمعنى الثاني أن الكفاءة العراقية، حين أُتيحت لها أدوات الاعتراف والاندماج، لم تتجه حصريًا إلى الوظائف منخفضة المهارة أو الهوامش الاقتصادية، بل شقت طريقها أيضًا إلى واحد من أكثر القطاعات حساسية وثقة في المجتمع. أما المعنى الثالث، فهو أن هذه الكتلة لا يمكن اختزالها في خطاب “الاندماج” الاجتماعي فقط؛ لأنها أصبحت جزءًا من “القدرة التشغيلية” الفعلية للقطاع الصحي.
بقلم: احمد الهرمزي
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

