مقال رأي/ لم تعد السيادة الوطنية في عالم اليوم مفهومًا ثابتًا تحميه القوانين الدولية، بل تحوّلت إلى ساحة صراع مفتوحة تُدار بوسائل متعددة، من الحرب والميليشيات إلى العقوبات والاعتراف السياسي الانتقائي. من السودان واليمن، إلى ليبيا والصومال، ومن فنزويلا إلى غرينلاند، تتقاطع الأزمات لتكشف منطقًا واحدًا: الدولة لم تعد تُحتل كما في الماضي، بل تُفرَّغ من مضمونها ويُقيَّد قرارها حتى تفقد معناها السيادي.
في السودان، شكّل تمرد قوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 محاولة انقلابية مكتملة أدخلت البلاد في حرب طاحنة ما كانت لتستمر بهذا الزخم لولا الدعم الخارجي السياسي والإعلامي واللوجستي. ضمن هذا السياق، جاءت محاولة اغتيال رئيس مجلس السيادة كحدث بالغ الدلالة، لا بوصفه استهدافًا لشخص، بل كرسالة سياسية تهدف إلى كسر رأس الدولة وإثبات أن القيادة الشرعية ليست محصنة. حين يُستهدف أعلى رمز سيادي، تصبح الحرب صراعًا على وجود الدولة نفسها لا على السلطة فقط.
وفي اليمن، يتكرر المشهد بصيغة حرب وكالة، حيث تحوّل الموقع الجغرافي الحساس وباب المندب إلى عامل استدعى صراعًا إقليميًا ودوليًا طويل الأمد. لم تُدمّر الدولة اليمنية بضربة واحدة، بل جرى إنهاكها تدريجيًا حتى أصبح قرارها موزعًا بين أطراف داخلية مرتبطة بإرادات خارجية، وهو مسار يلتقي في جوهره مع الحالة السودانية رغم اختلاف السياق.
أما ليبيا، فقد تحولت بعد انهيار مؤسساتها إلى ساحة مفتوحة لتدخلات متعددة، حيث اختلط النفط بالصراع العسكري وتعددت السلطات حتى غابت الدولة كفاعل موحد. الفوضى هنا لم تكن نتيجة جانبية، بل أداة لإبقاء القرار الليبي معلقًا، وهو ما جعل السيادة شكلًا بلا مضمون.
في الصومال، يتخذ نزع السيادة شكلًا أكثر هدوءًا لكنه لا يقل خطورة، عبر صراع الاعتراف بدولة صومالاند. فبدل دعم وحدة الدولة الصومالية، يجري التعامل مع كيان انفصالي كأمر واقع من خلال اتفاقيات اقتصادية وأمنية، ما يحوّل الاعتراف الدولي إلى أداة تفكيك سياسي. هنا لا تُكسر الدولة بالسلاح، بل بإعادة تعريف شرعيتها وحدودها وفق مصالح خارجية مرتبطة بالموانئ والممرات البحرية.
خارج الإطار العربي، تكشف فنزويلا وجهًا آخر للمشهد نفسه. لم تُغزَ الدولة عسكريًا، لكنها حوصرت اقتصاديًا، ونُزعت الشرعية عن قيادتها، وتعرض رئيسها ومسؤولوها لملاحقات واحتجازات خارج الحدود. السيادة هنا لم تُسلب بالقوة العسكرية، بل حُوّلت إلى ملف قضائي ومالي دولي، ما جعل القرار الوطني رهينة منظومة خارجية.
حتى غرينلاند، رغم استقرارها، دخلت دائرة الجدل حين طُرحت فكرة ضمها علنًا، في إشارة واضحة إلى أن الموقع والموارد قد يجعلان السيادة نفسها قابلة للتفاوض، وإن اختلفت موازين الحماية مقارنة بدول الجنوب.
القاسم المشترك بين هذه الحالات أن الموارد والمواقع الاستراتيجية هي المحرك، لكن الأداة هي استعمار جديد بلا أعلام ولا جيوش تقليدية. تُستخدم الميليشيات في بعض الدول، والفوضى المدارة في أخرى، والاعتراف السياسي والعقوبات في حالات مختلفة، بينما تبقى النتيجة واحدة: دولة ضعيفة، قرار مقيد، وسيادة منقوصة.
السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية ليس ما إذا كانت هذه الأحداث مترابطة، بل ما إذا كان العالم قد دخل فعلًا عصرًا تُنزع فيه السيادة بدل أن تُحتل الدول. وفي هذا العصر، لا يكفي الاعتراف الدولي ولا الشعارات الوطنية لحماية الدولة، بل يصبح بناء المؤسسات ووحدة القرار والقدرة على حماية الرموز السيادية شرطًا أساسيًا للبقاء خارج دائرة الاستباحة.

بقلم: يوسف النور
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

