مقال رأي/ فاروق الدباغ: اعتبر الكاتب والباحث الاجتماعي المقيم في السويد فاروق الدباغ، في مقال نشره موقع «Fokus» السويدي، أن التطورات الجارية في إيران لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد موجة جديدة من الاضطرابات الاجتماعية في الشرق الأوسط، بل تمثل تحوّلًا بنيويًا في أحد أكثر نماذج الحكم أيديولوجية في المنطقة، وقد تكون بداية نهاية أكثر مشاريع الإسلام السياسي اتساقًا على مستوى الدولة.
وأوضح المقال أن النظام الإيراني، منذ ثورة عام 1979، قام على مزيج من الشرعية الدينية، والأيديولوجيا الثورية، وجهاز أمني واسع، وتمكن طوال أكثر من أربعة عقود من الصمود أمام الحروب والعقوبات والعزلة الدولية والاحتجاجات الشعبية المتكررة. إلا أن ما تشهده البلاد اليوم يختلف جوهريًا عن الاحتجاجات السابقة.
وأشار الدباغ إلى أن الاحتجاجات الحالية لا تتركز على قضايا محددة مثل أسعار الوقود أو التزوير الانتخابي أو إصلاحات سياسية جزئية، بل تتعلق بظروف الحياة نفسها، في ظل جيل نشأ من دون أفق مستقبلي، وتحت رقابة مستمرة، وفي واقع أصبح فيه الفساد والقمع والركود الاقتصادي أوضاعًا طبيعية.
وبحسب المقال، فإن الأنظمة السياسية التي تعجز لفترات طويلة عن توفير الأمان المعيشي أو المعنى الرمزي تفقد تدريجيًا شرعيتها. وفي الحالة الإيرانية، تآكلت السلطة الدينية، التي تمثل جوهر أيديولوجية النظام، إلى حد باتت فيه الدولة، بالنسبة لكثير من الشباب، عائقًا لا كيانًا مقدسًا. ويرى الكاتب أن الأنظمة السلطوية قد تستمر بالقوة، لكنها تسقط عندما تفقد شرعيتها.
وسلّط المقال الضوء على الدور الإقليمي لإيران بوصفها نموذجًا للحكم القائم على الإسلام السياسي، مشيرًا إلى أن نفوذها امتد عبر شبكات أيديولوجية واقتصادية وعسكرية إلى دول عدة، من بينها العراق ولبنان واليمن. ولفت إلى أن هذه الحركات ليست ظواهر معزولة، بل تعتمد على القوة السياسية والرمزية لإيران، وأن إضعاف المركز ينعكس على الأطراف.
واعتبر الكاتب أن الأهم في المشهد الإيراني الراهن ليس التظاهرات بحد ذاتها، بل انهيار الرموز التي كانت تُعدّ غير قابلة للمساس، حيث باتت المحرّمات الدينية موضع تساؤل علني، وتراجعت مشاعر الخوف لتحل محلها حالة من السخرية. كما رأى أن مزيج القمع والدعوة إلى الحوار الذي تنتهجه السلطة لا يعكس قوة، بل حالة من عدم اليقين.
وأشار المقال إلى أن ضعف إيران لا يعني بالضرورة ديمقراطية فورية في المنطقة، لكنه قد يشير إلى نهاية مرحلة لعب فيها الإسلام السياسي دور الأيديولوجيا ونموذج الحكم في آن واحد، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على دول مثل العراق ولبنان واليمن، وكذلك على أوروبا، التي دعا إلى فهم أن الشرق الأوسط يمر بعملية تحول بطيئة لكنها ملموسة.
وختم الدباغ مقاله بالقول إن أحدًا لا يستطيع الجزم بما إذا كان عام 2026 سيشهد فقدان الإسلام السياسي قبضته على إيران والمنطقة، مؤكدًا أن النظام لا يزال قادرًا على القمع، لكن أمرًا حاسمًا قد وقع بالفعل، وهو انكسار الإيمان بالنظام، معتبرًا أن فقدان الناس ثقتهم في الرواية التي يقوم عليها الحكم يشير إلى أن مسار التاريخ بدأ يتغير.

فاروق الدباغ
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

