مقال رأي بقلم فاروق الدباغ / كشفت وسائل الإعلام السويدية عن تفاصيل تحقيقٍ صادم: شاب يبلغ من العمر 18 عاما يُدعى فارس العبد الله، يحمل الجنسيتين السويدية والسورية، متهم بأنه بايع تنظيم «الدولة الإسلامية» وسعى لتنفيذ هجومٍ انتحاري في العاصمة ستوكهولم، تزامنًا مع مهرجان Stockholm Kulturfestival الذي حضره صيف العام الحالي نحو مليوني زائر خلال خمسة أيام، وشارك فيه فنانون بارزون من بينهم الفنانة اللبنانية ميريام فارس.
وبحسب النيابة العامة، كان الهدف تفجيرًا في ساحة Kungsträdgården المكتظة بالزوار، وهو ما كان سيؤدي إلى خسائر بشرية جسيمة. لكن الشرطة، عبر عميلٍ سري تظاهر بالانتماء إلى شبكةٍ متطرفة، تمكنت من استدراجه واعتقاله في فبراير 2025، قبل تنفيذ العملية.
القضية هزّت الرأي العام، لكنها أيضا فتحت ملفًّا أعمق من مجرد محاولة تفجير: ملف أزمة الهوية لدى الشباب من أصول مهاجرة، أو ما يُعرف بـ identitetförvirringen — اضطراب الهوية والانتماء، وهو المصطلح الذي قدّمته في بحثي الأكاديمي في جامعة Mälardalens högskola عام 2013 ضمن دراسة حول اضطرابات السلوك والانتماء لدى المراهقين من عوائل مهاجرة في السويد.
من التفجير إلى الفراغ: كيف يبدأ اضطراب الهوية؟
الهوية لا تُبنى تلقائيًا؛ إنها تتكوّن عبر توازنٍ دقيق بين لغة الأسرة، صورة القدوة، والقيم اليومية في البيت والمدرسة. حين يتفكك هذا التوازن — بسبب صراعات بين الوالدين، أو اختلاف القيم بين جيل المهاجرين الأول والثاني — يبدأ الطفل في البحث عن هويةٍ بديلة.
يتكوّن في داخله شعور بالضياع بين عالمين: في السويد لا يُقبَل كـ«سويدي كامل»، وفي بلد الأصل لا يُعترف به كـ«ابن الوطن».
هذه المسافة النفسية والثقافية هي لبّ ما يسمى باضطراب الهوية والانتماء identitetförvirringen، التي تجعل بعض المراهقين فريسة سهلة للأفكار المتطرفة أو شبكات الجريمة.
عندما تغيب اللغة والقدوة
في عملي الميداني مع الأطفال والمراهقين، كثيرًا ما سمعت جُملاً مثل “عندما أكون في السويد، يقولون إنني لست سويدياً. وعندما أسافر إلى بلدي الأصلي، يقولون إنني سويدي.”. هذا التناقض يُنشئ شعورًا عميقًا بالاغتراب، خاصةً في بيوتٍ لا تملك خطابًا تربويًا متماسكًا حول الهوية. حين يغيب الحوار وتختفي القدوة، يصبح الإنترنت ورفاق الشارع المصدر الوحيد للتعريف بالذات — وهناك تكمن الكارثة.
بيئة مثالية للانجراف
عدة عوامل تلتقي لتُنتج بيئة خصبة للتطرف أو الانحراف:
1. ضعف التواصل الأسري وغياب القدوة الواضحة.
2. العزلة الاجتماعية والاقتصادية نتيجة الفقر أو البطالة أو ضعف اللغة.
3. غياب المتابعة المدرسية والنفسية.
4. الاعتماد على إعلام عربي غير موثوق بدلاً من القنوات السويدية الرسمية، حيث تنتشر الشائعات والتحريض.
5. الانغلاق داخل “فقاعة مهاجرين” ثقافيًا واجتماعيًا، مما يقطع الجسور مع المجتمع المحيط.
حين لا يرى الأهل الانحراف القادم
كثير من الآباء والأمهات لا يدركون أن أبناءهم يعيشون اضطرابًا داخليًا، ليس لأنهم غير مهتمين، بل لأنهم يفتقرون إلى المعرفة الكافية بالمجتمع السويدي وآلياته التربوية. يعيشون في عزلةٍ لغوية وثقافية تجعلهم يعتمدون على ما يسمعونه من الأقارب أو الصفحات العربية غير الرسمية. ومع الوقت، يتكوّن جدارٌ نفسي بين الأسرة والمجتمع، وبين الأبناء وواقعهم الجديد.
الفراغ الذي تملؤه الشبكات المتطرفة
في هذا الفراغ، تظهر جهات أيديولوجية وإجرامية تستغل الاضطراب لتقديم بديلٍ زائف عن الهوية: «أنت مهم، نحن نراك، لك هدف، ولديك عدوّ يجب محاربته».
هكذا يتحوّل البحث عن المعنى إلى طريقٍ نحو الدمار — سواء عبر الإرهاب أو العصابات.
الطريق إلى الوقاية: إعادة بناء الهوية لا مراقبتها
1. تعليم الوالدين لغة الحوار السويدية في التربية.
2. برامج مدرسية حول بناء الهوية والانتماء المزدوج.
3. إعلام عربي-سويدي موثوق ومهني.
4. تدريب العاملين الاجتماعيين والمعلمين على رصد مبكر لـ اضطراب الهوية والانتماء.
5. إعادة تعريف مفهوم “الاندماج” باعتباره مشاركة لا ذوبانًا.
وفي الختام
قصة فارس العبد الله ليست عن الإرهاب وحده، بل عن هشاشة الجسر بين جيلين.
إنّ مكافحة التطرف تبدأ من إصلاح الأسرة، لا من السجون.
وحين نُدرك أنّ اضطراب الهوية والانتماء ليس عيبًا بل عرضًا لخللٍ اجتماعي وثقافي يمكن علاجه، عندها فقط نحمي أبناءنا ونحمي السويد من الانقسامات المقبلة.
المصادر
1. SVT Nyheter – “18-åring åtalas för IS-inspirerad terrorplan i Stockholm” (نشر 5 نوفمبر 2025).
2. Expressen – “Polisens infiltratör stoppade terrorplanen – Faris Al Abdullah avslöjade allt”.
3. Aftonbladet – “HVB-boende tonåring planerade IS-attentat”.
4. Mälardalens högskola 2013 – Farouk Aldabag: Identitetförvirringen hos barn och ungdomar med utländsk bakgrund – en social och beteendeterapeutisk studie.
مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس عن SWED 24

